|
![]() |
![]() |
|
آخر تحديث للموقع: 7/9/2010 الساعة 17:09 - توقيت بغداد
|
||
|
حميد سعيد يستحضر جراح القدس وبغداد
نجح الشاعر العراقي حميد سعيد في استدراج بغداده إلى أجواء أمسيته الشعرية التي افتتح بها مساء الأحد 25/7 فعاليات الأسبوع الثقافي العراقي في مركز جامعة كولومبيا بعمان، وسط حضور نوعي مميز، اعترف القائمون على المركز بأنه الأعلى في تاريخ الفعاليات التي شهدها المركز من قبل. الشاعر حميد سعيد الذي أشار في مطلع أمسيته أنه سيحاول من خلال اختياراته الشعرية الاقتراب من أجواء ثقافة الغربة، التي جاءت كعنوان لفعاليات الأسبوع الثقافي، منوها أنه يهدي الأمسية إلى صديقة عمره، زوجته نفيلة الجنابي، التي خففت عنه أوجاع الغربة التي يعيشها، مكرها أو مختارا، منذ أكثر من سبعة أعوام في عمان، أي منذ احتلال العراق. ربما استشعر حميد سعيد أن المنصة التي يقف عليها تقع في أقرب نقطة من غرب عمان إلى القدس، لذلك اختار أن تكون القصيدة المقدسية أولى قصائده في الأمسية، مبررا ذلك بأن القدس ظلت أولا في الوعي الشخصي والجمعي لجيل ينتمي إليه الشاعر، وأن فلسطين ظلت حاضرة في وعي أبناء الأمة باعتبارها قضية العرب الأولى، رغم أن العراق والعراقيين يعيشون أزمة احتلال آخر، إلا أن القدس وفلسطين ظلتا تمثلان الجرح الدائم في قلب مثقفي الأمة ووجدانهم، وجاءت القصيدة لتقدم سيرة مدينة عربية هي الأعز في القاموس الوطني والقومي. ثم قرأ قصيدته ذائعة الصيت "رسالة اعتذار إلى أبي جعفر المنصور" وهي قصيدة قدمت صورة بغداد ودورها ورسالتها الحضارية عبر العصور، مؤكدا من خلال نص شعري موغل في عشق بغداد، أنها ستنتصر على الغزاة مثلما انتصرت عليهم كل مرة، وحملت القصيدة بين سطورها حوارية بين الشاعر وأبي جعفر المنصور دون أن يغيب الفقهاء والخلعاء والعشاق عن بغداد والقصيدة معاً، وهي قصيدة وصفها الشاعر من قبل بأنها قصيدة بغداد في لحظة كشف صوفي، ليس بغداد الماضي كما يوحي عنوانها، وإن المنصور في القصيدة، هو رمز لجميع البُناة الذين عشقوا بغداد، حكاما ومحكومين. مضيفا أن قصيدة "رسالة اعتذار إلى أبي جعفر المنصور" رغم ما تشير إليه من تدمير نصب مؤسس بغداد، في ظل الإحتلال الأميركي وعلى أيدي المتعاونين معه، ما هي إلا رسالة اعتذار من تاريخ بغداد وأعلامها وعشاقها، وأنا واحد منهم، من كرخها ورصافتها، من الجسر، من عيون المها، من علي بن الجهم والرصافي والجواهري، ومحمد القبانجي ويوسف عمر، من فايق حسن وجواد سليم، لقد تمثّلت القصيدة جوهر بغداد، فكانت جوهرةً في عقدها الأسطوري. وكان لمدينة الشاعر ومرتع طفولته "الحلة" حيز واسع في تلك الأمسية التي نكأت جراح عشاق بغداد، فقرأ قصيدته "البساتين والرجال" وهي صفحة من صفحات طفولة الشاعر، سعى من خلالها لتقديم جانب من سيرته الشخصية وسيرة المكان الذي يمثل بالنسبة إليه المكان الأول، ورغم أنه كتب القصيدة منذ أكثر من عشرين عاما ونشرها في مجموعاته الشعرية، إلا أنه اعترف أنه يقرأها أمام الجمهور للمرة الاولى، وجاءت منسجمة مع أجواء الأمسية التي أخذت من الغربة واستذكار الوطن عنوانا لها. وختم الشاعر حميد سعيد قراءاته الشعرية بآخر قصيدة كتبها، وهي قصيدة المورسكي التي انتهى من كتابتها قبل عشرة أيام، وإذا كان المورسكي هو في المصطلح واللغة والتاريخ ذلك الأندلسي المطرود من بيته وداره ووطنه، فإن ملايين العراقيين اليوم ينطبق عليهم لقب المورسكي، وهم المطرودون من وطنهم وديارهم ويعيشون في الغربة، اختيارا أو إجبارا. الشاعر الذي بدأ أمسيته بتحية أصدقائه الحاضرين، وأصدقائه الغائبين أيضا، كان منسجما مع أجواء قصائده، إلى درجة يمكن القول إنه توحد معها في تلك الأمسية التي حملت بغداد بحزنها وجراحها، وغضبها أيضا إلى أجواء مبنى مركز جامعة كولومبيا في عمان، وكان لافتا قيام الشاعر بحوار خارج نص القصيدة مع نفسه أو مع جمهوره الذي صفق طويلا لعدة مرات له ولقصائده وهو يتحدث عن غربة العراقيين التي تسبب بها الاحتلال، ويضيء زوايا معتمة في مسيرة شعر مختلف، هو شعر المقاومة، أو التأسيس لشعر من هذا القبيل لشاعر يحتل موقعا متقدما في المشهد الشعري العراقي والعربي. الأمسية التي اقترب زمنها من الساعة رافقها عزف على العود قدمه الدكتور توفيق بن عمر من جامعة كولومبيا، وهو عزف أضاف أجواء مختلفة لقصائد أكدت ريادتها لمشروع القصيدة العربية المعاصرة في العراق. المشرف على تنظيم الأسبوع الثقافي العراقي في مركز جامعة كولومبيا بعمان الدكتور محسن الموسوي ـ الذي قدم للأمسية، وأعلن أن هذا الأسبوع سيكون مقدمة لمؤتمر ثقافي عراقي يتم تنظيمه في الربيع المقبل ـ تحدث عن تجربة حميد سعيد الشعرية من خلال إطلاته الواسعة ومتابعته لهذه التجربة، واصفا إياها بأنها تجربة مختلفة ومتميزة ورائدة، سواء من خلال مشروع القصيدة نفسها أو تعاملها مع التراث العربي أو استنادها إلى موسيقى الشعر العربي. د. الموسوي الذي اعتذر في نهاية الأمسية عن إثارة أي نوع من الحوار مع الشاعر، برر ذلك بتقاليد جامعة كولومبيا التي لا تجيز الحوار بعد أن تسود أجواء الشعر المكان. حضر الأمسية جمهور غفير من العراقيين والأردنيين الذين تحسسوا جرح العراق وغربة أبنائه، وهم يعيشون أجواء قصائد حميد سعيد التي أثارت فيهم الشجن والغضب معا. أضف تعليقك
عدد القراء : 32
|