|
![]() |
![]() |
|
آخر تحديث للموقع: 24/5/2013 الساعة 12:59 - توقيت بغداد
|
||
|
نزار السامرائي...يوميات مسافر على طريق أحمر (الجزء الثاني )
يوميات مسافر على طريق أحمر نزار السامرائي الخطوة الخامسة التحقيق ينتقل إلى المطار وأمتد التحقيق لعدة شهور بين مكتب القائد الأمريكي في سامراء ومقر القيادة في تكريت ولم تتقدم آمالنا خطوة واحدة إلى الأمام حتى إذا انتهت شهور الصيف وجاء أيلول / سبتمبر 2004 أملنا أن القضية ستتحرك مرة اخرى ، ولكن الصيف ما زال يضغط بوطأة حرارته على العراقيين وجنود الاحتلال على حد سواء ، يوم الثلاثاء 7 أيلول / سبتمبر جاء مروان من سامراء حاملا معه تبليغا رسميا وخطيا من C . I . D يطلب حضوره إلى منطقة مطار صدام حسين الدولي لحضور جلسة تحقيق مع الملازم الأول سافيل وهو آمر الفصيل أو السرية التي نفذت جريمة القتل بأوامر مباشرة منه ، ولكن هل ستجرى جلسة التحقيق في بغداد أم داخل الولايات المتحدة نفسها ؟ كان مروان وقبل أن يأت لبغداد قد اتصل بي وأبلغني بأن الشرطة أبلغته بالذهاب إلى منطقة السايلو لأمر هام ، قلت له لا تذهب إلا في حال حصولك على تبليغ خطي رسمي حرصا على سلامته وضمانا لقانونية أية خطوة نقدم عليها أو نستجيب فيها للطرف الآخر ، ونشطت الاشاعات مجددا بين الأقارب والأصدقاء في تفسير كل خطوة جديدة تحصل وحتى حين يحصل تأخير في الاجراءات الأمريكية فإن ذلك كان يستدعي تفسيرات تتراوح بين أقصى درجات التشاؤم وبين أعلى مراتب التفاؤل ، السكون له نفس القدر من تأثير الحركة بإثارة عوامل القلق ، البعض قال إن الأمريكان يريدون غلق القضية بأي ثمن كان لأن القضية أخذت أبعادا سياسية وإعلامية لم يكونوا يتوقعونها ، البعض الآخر ذهب إلى أن الأمريكيين يحاولون تقليص الضغوط التي تمارس عليهم ولهذا فقد يكونوا مستعدين لدفع عشرين ألف دولار من أجل سحب القضية من أمام القضاء ، كنت متيقنا أن مأمون لن يقبل مبدأ التعويض حتى ولو وصل مليون دولار لأنه لا يبحث عن ثمن لفقدان ولده ، ولكنني ما كنت لأنوب عنه من تلقاء نفسي في الاقدام على خطوة كهذه قد لا تأتي نتائجها كما أريد ، ومع ذلك كان موقفنا في التعاطي مع هذا الملف فيه من الطبائع العشائرية الشرقية وفيه من البداوة الكثير من مواضع يرى الغربيون فيها تخلفا اجتماعيا تجاوزته الشعوب التي لا تتعامل مع قضاياها الكبيرة والصغيرة بقيم عشائرية أو استنادا إلى مبادئ أخلاقية ، فالقوانين هي التي تنظم العلاقات بين الجماعات والأفراد بصورة متوازنة ولا تسمح الدولة لأية مجموعة من خارجها مهما كبر شأنها أن تنوب عنها في مباشرة واجباتها وصلاحياتها في فض المنازعات وإحقاق الحقوق ومن بين ذلك تثبيت مبدأ التعويض المالي ، وحتى الإسلام لم يهمل هذا الجانب وأفرد له الكثير من المعالجات والديات المالية جزء من تلك التعويضات غير أن التعويضات الأمريكية كانت من الهزال ما لا يسمح لعراقي يعتز بكرامته وقيمه ومكانة من فقد أن يقبل بها ، الكل يعرف كيف فرضت الولايات المتحدة تعويضات بأرقام فلكية على الحكومة الليبية بسب حادث سقوط طائرة لوكربي إذ وصلت تعويضات الأمريكي الواحد إلى ما يقرب العشرة ملايين دولار ، على حين أن ما تدفعه القوات الأمريكية عن ضحاياها من العراقيين كانت لا تزيد على 2500 دولار أمريكي فقط هذا في حال تأكدت أن سقوطهم كان نتيجة خطأ قواتها ، فهل جاء الأمريكي من كوكب آخر ؟ وهل تم خلقه من غير الطين الذي خلق منه باقي البشر ؟ وهل خرج من غير السبيلين الذي خرج منهما بنو البشر ؟ أم هو التعالي وشعور الغطرسة والتفوق العنصري المغروس في نفوس منخورة من الداخل تريد التعويض عن هزيمة داخلية بالتعالي على بقية شعوب الأرض ؟ أم أن منطق القوة المادية هو الذي يفرض نفسه على التعامل بين الدول والأفراد والجماعات على أساس ما تمتلك من أسباب القوة وأسلحة فتاكة ؟ لو ان جميع العراقيين الذين فقدوا أحدا من أفراد أسرهم رفضوا تسلم هذه التعويضات التافهة لاضطرت أمريكا لإعادة النظر بما تدفعه للعراقيين ولو أن السلطة التي نصبها المحتلون فيما بعد وقفت إلى جانب العراقيين في هذه الملفات لتغيير الحال ، ولكن هذه السلطات كان تعتبر أن الذين يقتلون من قبل القوات الأمريكية يستحقون القتل ولا يجوز التعقيب على قضاياهم وبهذا فقد وضعت نفسها في الخندق المضاد للعراقيين . على العموم كان علينا بموجب التبليغ أن نكون في المطار الدولي قبيل الظهر دون أن نعرف متى ستبدأ جلسة التحقيق ومتى تنتهي كي نقدر الوقت اللازم ورسم خطة عودتنا عبر طريق المطار المليء بالأخطار ، طريق المطار كان بمثابة خط مفتوح نحو الموت لكل العابرين عليه وبخاصة لأرتال القوات الأمريكية ، كانت المقاومة تسيطر على الطريق وتفرض على الحركة فيه رقابة صارمة فمن يذهب إلى المطار أو يأت منه فله خصوصية التعامل مع المحتلين إلى أن يتأكد العكس ، كانت المقاومة تنصب الكمائن لعجلات القوات الأمريكية بل وشنت فيه هجمات كبيرة وبأعداد غير مألوفة من المقاتلين ، كان هذا الطريق مصيدة للمحتلين فقدوا على طوله وعلى مدى عام ونصف مئات القتلى وآلاف الجرحى والكثير من المعدات وأهم من كل هذا تصفرت معنويات جنودهم فيه ، ويكفي أن يعرف العسكري الأمريكي أنه مكلف بواجب في هذا الطريق حتى يفقد ما بقي له من رصيد أعصاب ، ووصل الجنود حد الانهيار العصبي والمعنوي ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى ارتكابهم لأي جريمة ضد زملائهم وهذا ما وقع منه الكثير وكانت البيانات الحربية الأمريكية تتحدث عنه ولكنها تصفه بحادث غير قتالي ، هؤلاء الجنود المدججون بالسلاح والذين يقتلون بدم بارد واعصاب جامدة ويثيرون الرعب والهلع في الشارع هؤلاء ما أجبنهم حينما تحصل مواجهة بينهم وبين رجال المقاومة الذاهبين إلى الموت بلا تردد ، تراهم يفرون من الموت كجرذان غبية ويجهشون ببكاء مرير ويشترون الحياة الذليلة بالتوسل والخضوع حتى ليعجب المرء من وضعهم في الحالين ، وما هو هامش الشجاعة المتوحشة لديهم حينما يتعاملون مع النساء وكبار السن والأطفال ؟ يتصرفون وكأنهم يؤدون أدوارا في أحد أفلام الأكشن الأمريكية التي تنتهي عادة برفع الأمريكي علامة النصر بإصبعين مفتوحين إلى الأعلى ، فالأمريكي متفوق ولا يغلبه أحد على وفق ما تنتجه صناعة السينما في هوليوود . المرور العابر عند أي مفترق طريق في بغداد يشد الأعصاب ويثير في النفس مشاعر متباينة ويفلق الأبواب أمام الادراك السليم ويطلق المخبوء من الانفعالات المكبوتة من مكامنها أمام الحقيقة المطلقة الوحيدة والتي لا مناص منها ومع ذلك فإن الخوف منها يصل مديات تشل قدرة الإنسان على التحكم بسلوكه إلا من رحم ربي ، فانتظار الموت وترقب وصوله يطغى على الخوف من الموت نفسه ، وحين ينشر الموت جناحيه فوق أرض يحاول كل من هناك أن يغلق بابه دونه أو يفلت منه بجلده ، قليلون الذين يفكرون بغيرهم في مثل هذه اللحظات ، منهم من يجند امكاناته وقدراته من أجل تقديم العون للآخرين ، ولكن لحظة الوداع أصعب امتحان يواجه الإنسان ، نعم يمكن أن تصدر عن المرء حركات تنم عن الرغبة في المشاركة في مصير واحد ولكن الاختبار إذا ما حل بأثقاله فقد يكون من المسلم به لدى الكثيرين التفكير بالنفس أولا مهما كانت درجة القرابة والصلة مع الغير في مشهد اللحظة الأخيرة . شوارع بغداد الكئيبة والتي تشهد حركة بلهاء وفي مفترقات طرقها وأزقتها التي تنتهي عند نهاياتها كل المسالك وحيث تحولت الأرصفة الموحشة إلى مقابر للحيوانات والأشجار وكتل الحديد وبعض أشلاء آدمية ، واستحالت الطرق التي كانت إلى الأمس القريب مرصوفة بأحدث المعدات ومواد التعبيد إلى حفر وكأنها أرض محروثة متهيئة لموسم الغراس ، نتيجة ما تركته سرف دبابات المحتلين من جروح وأخاديد على صفحة وجهها الناعم ، كانت كلها تلتقي مع مدن العراق الأخرى عند هذه النتيجة المحزنة والتي لا تسمح بذرف قطرة دمع لفرط ما فيها من مياه آسنة اختلطت ببقايا دماء العراقيين وأعدائهم الأمريكيين على حد سواء ، ومع ذلك لم يكن أمامنا أنا ومروان من خيار إلا اجتياز طريق المطار وليرحمنا الله للوصول إلى مقر القيادة الأمريكية في قصر الفاو الرئاسي ، كان الطريق أطول بكثير مما كان على حقيقته ، لا ندري هل السرعة القصوى هي المطلوبة أم علينا أن نسير ببطء شديد لتجنب سوء التقدير من طرف المجاهدين الذين يستهدفون المارين على طريق المطار ، وهل يا ترى سيتفهم من يرانا طبيعة المهمة التي نذهب من أجلها للمطار في زمن الأزمة يمكن أن تقفز أية فكرة للرأس ولا يسأل أحد عن وجاهتها ؟ عيون الناس تنظر إلى المارين عبر طريق المطار بتساؤل أكبر من ترقب قذيفة أو إطلاقة تبحث لها عن هدف ، فالمطار قاعدة عسكرية أمريكية وليس محطة سفر ، هل يصدق من يرانا هناك أننا نتابع قضية تحقيقية لولدنا الذي قتلته القوات الأمريكية نفسها التي يتحينون الفرصة للإيقاع بإحدى دورياتها ؟ وهل على الجميع أن يعرفوا بالتفاصيل كي يتفهموا موقفنا ؟ ثم هل نحن وحدنا الذين فقدنا ابنا أو أبا ؟ ولماذا لم يحقق الأمريكيون بكل جرائمهم فلماذا حصلنا على هذا الامتياز ؟ أه كم تمنيت ساعتها أن قصتنا قد انتشرت على طول الكرة الأرضية وعرضها كي تتفهم الأعين التي تختزن أسئلة حائرة سبب مرورنا في طريق المطار ، تساؤلات مرت سريعا وما يزال من طريق المطار نصفه ولن تجدي هذه التساؤلات في عودة الساعة إلى الوراء ولا في قرارنا مواصلة الرحلة حتى النهاية لنا حق نريد ملاحقته وإن طال السفر . كنت أقود السيارة بسرعة وسطى وبهدوء حذر فكل الاحتمالات واردة ، الأمريكيون الذين استدعونا للتحقيق هل نتوقع أنهم أحاطوا دورياتهم القلقة على طريق المطار علما بمجيئنا ؟ استبعدت هذا الاحتمال فورا فهم لم يسألوا عن نوعية سيارتي ولا لونها ولا رقمها ، في الطريق اعترضتنا أكثر من سيطرة أمريكية وضعت فيها آخر ما توصلت إليه مصانع الالكترونيات في الولايات المتحدة من معدات وأجهزة ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل جلبوا الكلاب المدربة التي تفحص كل ما يراد مروره ، بعد أن وصلناها وقفنا في دورنا بطابور طويل لم نكن نعتقد أن المطار يستقبل كل هذا العدد من السيارات والمراجعين ، كنا نتقدم ببطء شديد وبعد أن قطعنا حوالي 100 متر بدأ الجنود الأمريكيون بإصدار الأوامر ، هذا يأمر بفتح الصندوق الخلفي ، وهذا يأمر بإطفاء المحرك وفتح غطائه ، جاءنا جندي يقتاد كلبا أو يقتاده كلب لا فرق فالأمر سيان ، أخذ الكلب يدور حول السيارة وهو يؤدي واجبه الذي يتقاضى بسببه راتبا يفوق راتب الجندي الذي يقوده ، أصدر الجندي لنا أمرا نيابة عن الكلب بالحركة بعد أن أصدر لنا شهادة التجرد عن المتفجرات والسلاح والعطور ، بعد مسيرة قصيرة توقفنا مرة أخرى أمرنا بالترجل من السيارة وفتح غطاء المحرك مرة أخرى وفتح الصندوق ثانية وتسليم الهاتف المحمول ، تذمر صامت يكاد يضيء من بين العيون أو يسمع صداه من بين الضلوع ، تركنا السيارة لبضعة أمتار فهذه المرة يجب أن تفتش السيارة من الداخل بعيدا عن أعين ركابها ، دخلت على الخط هذه المرة أجهزة أكثر تعقيدا من النقطة السابقة ، أجهزة التحسس الكهربائي والتفتيش اليدوي المباشر لنا وللسيارة ، ، في باحة الانتظار تقدم نحونا شاب بدت هيئته ملتبسة بادرني ، السلام عليكم أستاذ نزار أنا معجب بما تقوله في لقاءاتك على الفضائيات المختلفة وبخاصة قناة الجزيرة ، أجبته وعليكم السلام حاول أن يتسلل ولكنني عرفت أن سلامه كان رسالة تشكيك بطبيعة وجودي هنا أراد أن يكافئ وجوده هو في باحة الانتظار أمام مطار بغداد ، هنا وجدت الظرف مناسبا أن أبادره بسؤال قد يفاجئه ، قلت ماذا تفعل هنا ؟ لم أسأله عن اسمه ولا عن منطقته ولكنني سألته السؤال الذي أيقنت أنه حينما سلم علي كان يريد أن يقول لي لقد ضبطتك متلبسا في جريمة الانتظار على أبواب مطار كان اسمه مطار صدام حسين وبات اليوم مقرا لقيادة القوات الأمريكية المحتلة ، تلعثم قليلا ولكنه لم يبال على كل حال ، ولكنه أجاب أنتظر دوري للدخول إلى مقر عملي في خدمات المتاجر الأمريكية في القاعدة العسكرية بالمطار ، إذن هو لا يخجل من عمله وربما ظنني اشاركه أو أزاحمه في البحث عن وظيفة ، ولهذا حينما سألني واستنادا إلى مبدأ المعاملة بالمثل ، وأنت ماذا جاء بك ؟ قلت أنا محام عن ابن اخي الذي قتله الأمريكيون برميه في نهر دجلة واليوم نحن مطلوبون للتحقيق وربما للمحاكمة ، لم يدعني أكمل عبارتي كان قد تلاشى وسط الزحام ، وبقينا بانتظار اشعارنا بأن تفتيش السيارة قد تم انجازه في ساحة مكشوفة ، بعد طول انتظار جاءتنا الاشارة باستكمال تفتيش السيارة فتوجهنا إليها دون أن نعرف إلى أين نتوجه بعد ذلك ، تحدثت مع بعض الحراس وسلمتهم نسخة من كتاب الاستدعاء الرسمي الذي جئنا بموجبه ، بعد سلسلة اتصالات أخبرنا أحد الحراس بأن مأمورا سيأتي إلينا بهدف إيصالنا إلى الموقع الذي طلبنا ، كانت الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر عندها جاءت سيارة شيفروليه صندوقية رباعية الدفع وكانت تتقدمها مدرعة من نوع هامر فيها إضافة إلى سائقها جندي يقف وراء مدفع رشاش سريع الطلقات كان منصوبا فوق المدرعة ، وجندي يحمل بندقية من نوع M16 كان يجلس بجانب السائق ، بعد توقف الموكب ترجلت منه السرجنت سينترون حيث كانت تحمل بندقية آلية ومعها جندي يحمل بندقية آلية أيضا وكان كل منهم يرتدي صدرية مقاومة للرصاص ، وجاءت مع السرجنت وحمايتها مترجمة قدمت لنا نفسها ، قالت أنا سهام الجعبري سأكون المترجمة المرافقة لكم طيلة تواجدكم في القاعدة ، أنا أمريكية الجنسية أقيم في كاليفورنيا ، دون مقدمات قلت لها أكيد أنت فلسطينية من الخليل هزت رأسها موافقة على ما قلت وكادت أن تطلق عبارة دهشة ولكنها أحجمت في اللحظة الأخيرة ، وحينما سرنا سوية داخل القاعدة سألتني من أين عرفت أنني من الخليل هل وصلتكم المعلومات عني مسبقا ؟ تعمدت عدم اجابتها من أجل أن أتركها قلقة حتى النهاية ربما ذهبت لتصورات بعيدة وربما كانت قد همست بإذن مسؤولها الأمريكي عن ذلك وربما قالت له إن حياتها في خطر لأن عراقيا على صلة ب ( الإرهاب ) يعرف عنها معلومات دقيقة جدا وقد تكون بالغت بما ٍسألتها وأضافت من عندها الكثير كي تطلب النقل إلى موطنها بالتجنس وتتخلص من كوابيس الموت التي لا تنتهي ، ومع ذلك قلت لها نحن نعرف محمد علي الجعبري رئيس بلدية الخليل المتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي ، لم تبد عليها علامة تنم عن الرضا أو الغضب حول كلمتي الأخيرة . بعد أن رحبت سينترون بنا وأرادت أن تشعرنا بأنها حريصة على انجاز قضيتنا ، طلبت منا الصعود إلى سيارة الشيفروليه التي كانت تقودها بنفسها ، أشارت إلي أن أركب معها في المقعد الأمامي وتركت سهام الجعبري ومروان في الخلف ، سألتني أين كنتم كل هذه المدة ؟ وأردفت لقد بحثنا عنكم في سامراء وطلبنا من شرطة المدينة إحضار مروان ولكننا كنا نواجه بقولهم بعدم القدرة على الوصول إليه ، تدخلت فورا لأقطع الطريق على مروان من الحديث ، قلت نعم لقد أبلغونا أكثر من مرة ولكننا كنا نصر على طلب الاستقدام بطلب خطي ورسمي من الجانب الأمريكي ولهذا كنا نهمل مراجعات الشرطة العراقية وطلباتها . عاودت سينترون الحديث مرة أخرى فقالت ، اليوم مهم بالنسبة لكم فسوف تعقد جلسة استماع عبر قناة تلفزيونية مغلقة مع هيئة التحقيق المكلفة بالقضية في كولورادو ، سيتم احضار الملازم سافيل أمام قاضي التحقيق وسنكون نحن في إحدى قاعات قصر صدام حسين والذي تتخذه قواتنا مقرا لقيادتها ، سنجلس في هذه القاعة التي تجرى فيها مؤتمرات عسكرية على أعلى المستويات مع البنتاغون أو القيادات الأخرى في الولايات المتحدة مع قائد القوات في العراق وهيئة أركانه ، سنجلس أمام شاشة نرى فيها هيئة المحكمة وستنقل صورنا لهم عبر الاقمار الصناعية ولكن الجلسة لن تبدأ قبل الثامنة مساء بتوقيت بغداد ، تساءلت مع نفسي ما هي دوافع سينترون لتقديم العرض عن قاعة المؤتمرات العسكرية على أعلى المستويات ؟ قلت مع نفسي أيضا هي مجرد ثرثرة أرادت أن تقول لنا إنها قريبة من مواقع التحكم بالقرار وصنعه . كان مروان هو الشاهد الوحيد على جريمة أرادها الأمريكيون جريمة كاملة ولكن إرادة الله كانت لهم بالمرصاد ، وكنت محاميا عن العائلة بعد أن انتميت إلى نقابة المحامين بعد احتلال العراق عام 2003 حينما حل بول بريمر الحاكم الأمريكي المطلق للعراق الكثير من المؤسسات والدوائر الرسمية وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي والجيش العراقي وديوان رئاسة الجمهورية الذي كنت مديرا عاما فيه ، حينذاك كان هامش عملي محدودا في الظهور على الفضائيات العربية وبخاصة قناة الجزيرة والاخبارية وأبو ظبي وقنوات اخرى ، لم أكن قد اتخذت المحاماة مهنة لي فأنا صحفي ولا يمكن أن أوفق بين اختصاصين ، صحيح أنهما يشتركان في الدفاع عن قضايا المظلومين ، ولكن الصحافة تقارع الظلم العام على حين أن المحاماة تقارع الظلم الخاص ، ومع ذلك رأيت نفسي مدفوعا بكل طاقتي لهذه القضية لاعتبارات كثيرة أولها أن الشهيد ابن اخي وثانيا أن الجاني فيها أمريكي ارتكب جريمة احتلال العراق التي أواجهها في حركتي الاعلامية وثالثا أنها تسلط الضوء على الجرائم النوعية لقوات الاحتلال الأمريكية وتفضح أساليبها الهمجية في قتل العراقيين أو تعذيبهم وكذلك عمليات الدهم والسطو على الأموال الخاصة أثناء تفتيش المنازل . اليوم إذن سنشهد جلسة تحقيق مع مجرم أمريكي يستحق وصف الوغد لأنه ابتكر طريقة للقتل ربما لم تخطر ببال أحد من قبل ، إنه الملازم الأول جاك سافيل ، كنت احذف من اسمه الثاني حرف الياء واعتبر ذلك ما يتطابق مع طبعه وسلوكه ، كان سافيل قد أصدر أوامره لجنوده بإلقاء زيدون ومروان في نهر دجلة عند بوابة ناظم الثرثار ، كان علينا أن ننتظر بضع ساعات قبل أن يحين موعد الجلسة فالفرق في التوقيت بين بغداد والساحل الشرقي للولايات المتحدة يبلغ سبع ساعات والفرق في التوقيت بين الساحل الشرق والساحل الغربي للولايات المتحد يبلغ ثلاث ساعات ولست متأكدا من موقع ولاية كولورادو علينا أن ننتظر بدأ الدوام الرسمي هناك ولا نعرف بعد ذلك كم سيمر من الوقت قبل أن تبدأ جلسة الاستماع ، كانت السرجنت سينترون حريصة على التحدث بود فائض عن الحاجة وذلك لإزالة أي أثر للتحسس تجاه الجنود الأمريكان الذين احتلوا منطقة المطار بكاملها واتخذت قيادة القوات في العراق من القصر الرئاسي في الرضوانية مقرا لها ، كان وقت الغداء قد حان وجهت لنا سينترون دعوة لتناول الطعام في المطعم المشترك للضباط والجنود ، وهو نفسه الذي كان الرئيس الأمريكي قد تناول فيه الديك الرومي مع ضباط قواته وجنودها نهاية العام الأول للاحتلال وقد جاء إليهم خلسة من أجل رفع معنوياتهم المنهارة ، حينما تذكرت ذلك أخذتني غصة ألم أن أرى أرض العراق تدنس من قبل قوات الاحتلال البغيض ، لاحظت سينترون ذلك علي وتساءلت عما أفكر فيه ، قلت إنني أعجب لهذا الزمن الذي تدور دواليبه بسرعة لا توصف وبصورة لا تصدق . استحثتنا على تناول وجبة الغداء قبل أن يتم استدعاؤنا إلى القاعة ، من ذا الذي يرغب بتناول الطعام على مائدة عدوه ؟ أردنا أن نجلب شيئا نسد به الرمق لا غير ، كانت الأطعمة معروضة للجميع على موائد مفتوحة والخدمة فيها تتم بموجب قاعدة اخدم نفسك بنفسك ، كانت الخضر والفواكه لكل المواسم متوفرة في المطعم ، حينما توجهت إلى ( البوفيه ) تقدم نحوي جندي تبدو على ملامحه سحنة شبه القارة الهندية ، وبادرني بعبارة السلام عليكم هل تريد أكلا حلالا ؟ شعرت بامتنان له مع نفسي على الرغم من أنه يقدم الخدمة لقاتلي العراقيين قلت له نحن نتناول الاسماك فقط ، أشار إلى موضع تكدس الروبيان وبحجوم وأصناف مختلفة . مقر القيادة الأمريكية في قصر الفاو في الرضوانية من أطراف بغداد الغربية وهو قريب من مطار بغداد وهو أحد القصور الرئاسية في عهد الرئيس الراحل صدام حسين وربما يكون هو الأكبر والأفخم بين تلك القصور وقد أخذ اسمه من اسم مدينة الفاو التي احتلها الإيرانيون في شباط 1986 وغيروا اسمها إلى الفاطمية وأقاموا فيها من التحصينات والمواقع والموانع ما ظنوا انها مانعتهم من الهزيمة ، فاستعد العراق شعبا وجيشا وقيادة بوضع خطط تحرير هذه المدينة التي دخل منها الانكليز بداية زحفهم نحو بغداد في العقد الثاني من القرن الماضي وجاء الإيرانيون ليقتفوا خطواتهم ، فالمحتلون يفكرون بطريقة واحدة ويسلكون الطرق نفسها ، وحتى عندما جاء الأمريكيون عام 2003 قاموا بالشيء نفسه ، وعمل العراقيون بكل جهدهم لتحرير مدينتهم من دنس الإيرانيين ، فتم لهم النصر المؤزر في 17 / 4 / 1988 بعد ان سحقوا قوات العدو وكسروا عموده الفقري حتى استلقى راكعا على الأرض وتجرع كأس السم راغما واضطر لوقف اطلاق النار في 8/ 8 / 1988 ، فأطلق الرئيس الر احل صدام حسين على هذا القصر اسم الفاو تيمنا بنصرها المجيد ، وعلى الرغم من أنني لم أر هذا الصرح من قبل ولم يسبق لي أن رأيت أيا من القصور الرئاسية الأخرى باستثناء القصر الجمهوري في كرادة مريم الذي رأيته لعدة مرات فيما مضى وهو البلاط الملكي تحت الانشاء عندما قامت ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 ، ولم يتم الانتقال إليه إلا بعد ثورة 14 رمضان / 8 شباط فبراير 1963 حينما تحول إلى القصر الجمهوري الرسمي للدولة العراقية ، ووقعت في أسر القوات الإيرانية في 24 آذار / مارس 1982 ولم يكن هناك قصر رئاسي رسمي سواه ، وحينما عدت من الأسر في 23 كانون الثاني / يناير 2002 لم يكن ميسورا لي أن أدخل إلى أي من القصور الرئاسية ولذلك حينما أصف قصر الفاو بأنه الأكبر والأفخم فإنما أقارن بينه وبين القصر الجمهوري في كرادة مريم وربما بما سمعته من مقارنات بين القصور الرئاسية ، على العموم لم يتعرض القصر لشيء من ظروف العمليات الحربية الكبرى التي شهدتها بغداد ومنطقة المطار بشكل خاص ، ولكن الكثير من محتوياته كانت قد اختفت نتيجة السرقات التي قام بها الجنود الأمريكيون ونقلوها إلى بيوتهم في الولايات المتحدة تحت لافتة أخذ تذكارات من زمن الحرب ، حينما دخلت إلى باحة القصر شعرت بدوار عنيف يضرب رأسي وتساءلت بمرارة هل بني القصر كي يشغله أكثر أعداء من بناه كراهية له وحقدا عليه وهم الأمريكيون وأرادوا المبالغة في التعبير عن هذا الحقد حينما حولوا هذا القصر إلى مقر لقيادة قوات غزو العراق واحتلاله ، القاعة الكبرى تحمل الرائي على أن يسافر في خياله بعيدا إلى قصور القياصرة والأباطرة وعالم ألف ليلة وليلة وخيال شهرزاد ، تتدلى من قبة القصر ثريا كبرى من الكريستال النقي المشدودة مع بعضها بخيوط من الذهب أو مطلية بالذهب ولتتشكل وهجا متلاحق التلألؤ كأنها كوكب دري ، حينما دخلت باحة القصر قلت مع نفسي هي مفارقة الزمن الرديء الناتج عن الاحتلال أن أدخل القصر في وقت تطبق عليه قوات وعلى كل مفاصل الدولة العراقية ، ولم يتحقق لي أن رأيت هذا القصر في زمن سياسي كنت جزء منه وفيه ، كان الألم يعتصرني وأنا أمشي في أروقة القصر لأن شيئا بنيناه وتحمّل الحزب وقيادته بسبب بنائه الكثير من النقد والتجريح ، ثم تحول في لمح البصر إلى عدونا وكأننا ما بنيناه إلا لكي ينتقل إلى سيطرة أولئك الأعداء ، وإذا مرقت من تحت تلك الثريا فكأنما مرقت تحت وهج الشمس وإذا سلبت القدرة على مقاومة إغراء النظر إليها فلا بد من المسير فوق أرض من طراز خاص ترغم الجميع على استذكار الآية الكريمة / قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة / فهي أرض تلمع بصفاء رائق ، ومن الخارج تحيط بالقصر حدائق ذات بهجة وبحيرات متلاحقة تربط بينها جسور هي أقرب إلى عيون المها بين الرصافة والجسر ، وعلى الرغم من أن قوات الاحتلال لم تدخر جهدا للعبث في بالقصر ومحتوياته وما يحيط به من مرافق بل وبالعراق كله فإن القصر بقي متألقا بالحزام الأخضر الذي يحيط به بعد أن حول أراض قاحلة إلى أجمل الجنان مما يصادف الإنسان ، صدام حسين لم يبن لنفسه قصرا ولم يفتح حسابا في البنوك الأجنبية ولو أن أحدا من أعدائه قد ضبط وثيقة واحدة تشير إلى ذلك لكانت الصحافة المرتبطة بالمحتلين الأمريكان والبريطانيين والإيرانيين وعملائهم من عناصر العملية السياسية قد سخرت كل صفحاتها للحديث عن ذلك ، ومع هذا لم استطع منع نفسي من طرح سؤال عن جدوى بناء مثل هذا القصر وسواه ؟ وهل أن ظروف العراق ما كانت لتستقيم لولا بناء هذه القصور ؟ لاسيما وأنها بنيت في زمن الحصار ولو أن ما أنفق عليها خصص لبناء الطرق والجسور والبيوت الشعبية للفقراء لكان ذلك أجدى وأنفع ، غير أن صدام حسين قد ترك للعراقيين شيئا من المآثر العمرانية وهم الذين لم يترك لهم من حكمهم قبلا شيئا منها ، ووصلنا أخيرا إلى القاعة التي أعيد تنظيمها بحث أصبحت القاعة الرئيسة لعقد المؤتمرات وعلى أعلى المستويات بين القيادة الميدانية للقوات الأمريكية في العراق ورئاسة الأركان الأمريكية في واشنطن وقيادة المنطقة الوسطى عبر قناة تلفزيونية مغلقة يتم خلال هذه المؤتمرات بحث المستجدات والخطط البديلة وذلك نتيجة التطورات الميدانية والخسائر المتزايدة للقوات الأمريكية في العراق ، أخذ كل منا مقعده المحدد له سلفا ، أخذت استراحة لأدور فيها خلال هذه القاعة والتي يمكن أن تكون قد شهدت الكثير من المؤتمرات العسكرية التي أدارها الرئيس الراحل صدام حسين لوضع الخطط التفصيلية وبدائلها التي تقتضيها المستجدات الطارئة من أجل مواجهة قوات الغزو الأمريكي التي تتخذ من القصر مقرا لقيادتها العليا ومن هذه القاعة لعقد المؤتمرات العسكرية ولكن من أجل التصدي للمقاومة الوطنية المسلحة الباسلة والتي تمكنت من الحاق أكبر هزيمة عسكرية ونفسية بالولايات المتحدة منذ الحرب الفيتنامية ، مع فارق بسيط وهو أن المقاومة العراقية تواجه أمريكا بكل ثقلها دون أن يمد لها الاتحاد السوفيتي يدا الدعم أو الصين الشعبية كما كان يحصل مع كفاح الشعب الفيتنامي لطرد الأمريكان من جنوب بلادهم ، بدأ الفنيون بتشغيل شبكة الاتصال مع قاعة المحكمة العسكرية في إحدى القواعد في ولاية كولورادو ، وبدأت جلسة الاستماع ، ومن طبيعة الأسئلة التي طرحها المحققون بدأت أتيقن بأن الجانب الأمريكي وفي سعيه للتنصل عن مسؤولية جريمته فإنه يستميت من أجل البحث عن ضحية أو شماعة يعلق عليها أسباب ما ارتكب من جريمة وحشية ، ولذلك كانت الأسئلة تركز على الوقت ، متى وصلتما السيطرة العسكرية عند مدخل سد الثرثار ؟ لماذا تريدنا نعتقد بأن الجنود قد ألقوكما في الماء ؟ وعشرات الأسئلة تتدفق بلا انقطاع حتى تصورت أن الهدف من طرح هذا السيل من الأسئلة ليس سماع شهادة مروان بقدر ما كان الهدف التشويش عليه علهم يمسكون برأس خيط يجعلون منه سياجا لحماية متهميهم ولذلك كنت أشير إلى مروان بعدم التحدث ما لم يتوقف المحقق عن طرح سيل الأسئلة التي لا علاقة بها بموضوعنا ، من قبيل هل تتوقع أن جنودنا على استعداد لرمي شباب أحياء في فوهة سد مائي متدفق المياه ؟ أو من قبيل هل تتوقع أننا ذهبنا إلى العراق من أجل تعريض حياة أبنائه للخطر ؟ أسئلة غبية لم تحرفنا عن مسارنا خلال الجلسة التي انتهت بعد العاشرة ليلا في بغداد . كيف سنعود إلى المنزل عبر طريق المطار ؟ ماذا سيرسم في ذهنه من صور من يحمل بندقية أو قاذفة يترصد رتلا أمريكيا عن هذه السيارة التي مرت بهدوء في طريق طالما أرّق الجنود الأمريكان عند عبوره ؟ كانت الأسئلة تتدافع داخل رأسي دون أن أوفق في جواب واحد على أي منها ، وخاصة ماذا سيقول الناس لو استهدفنا بقذيفة دمرت سيارتنا وقتلنا بها ؟ هل يصدق أحد طبيعة المهمة الجهادية التي كنا فيها ؟ حينما خرجنا من البوابة الرئيسية لقصر الفاو والذي كان يشع بأنوار الثريا العملاقة ، غصنا في ظلام دامس وليل أسود وكأن الخطوات المعدودة الفاصلة بين البوابة والممر الخارجي مسيرة دهر قطعناها بين عالمين . أخذتنا سينترون بسيارة الدفع الرباعي التي جئنا بها من البوابة الخارجية للمطار إلى نقطة السيطرة التي دخلنا منها ، وترجلنا في نفس المكان ومضينا إلى سيارتي الخاصة التي كنت قد تركتها في الموقف المخصص لسيارات الداخلين إلى المطار ، أدرت المحرك وتوكلت على الله وبأعصاب مشدودة قطعت الطريق بأقل من نصف ساعة وكأنها نصف يوم . الخطوة السادسة متابعة القضية في قاعدة فورت هود الأمريكية في تكساس في منتصف تشرين الأول / أكتوبر 2004 تم ابلاغنا من قبل السرجنت سينترون هاتفيا بالاستعداد للسفر إلى الولايات المتحدة لحضور جلسة محاكمة في المحكمة العسكرية في قاعدة فورت هود في ولاية تكساس ، قالت لي بأن مروان وأخي مأمون والد الشهيد زيدون وأنا سنغادر في غضون أيام معدودة ، وقالت بأن علينا جميعا التواجد في بغداد من أجل الذهاب إلى سفارة الولايات المتحدة ( الدائرة القنصلية ) داخل المنطقة الاسمنتية المسماة بالخضراء ، اتصلت بمأمون ومروان وطلبت منهما المجيء إلى بغداد استعدادا للسفر إلى البلد الذي احتل بلدنا ودمر بنية الدولة العراقية وقتل مئات الآلاف من أبنائه ، ومن بينهم زيدون ، خلال أربع وعشرين ساعة كانا في بغداد انتظارا لمكالمة هاتفية من سينترون ، وإذا بها تبلغني بالذهاب إلى منطقة المطار مع جلب جوازات السفر ، تساءلت مع نفسي هل يتم هناك ختم الجوازات أم أن سينترون ستأخذ جوازاتنا إلى القنصلية الأمريكية لختمها ؟ استبعدت الاحتمال الأول ورجحت الثاني إذ يبدو أنهم لا يحبذون ذهابنا إلى داخل المنطقة التي تتواجد فيها السفارة والقنصلية لأسباب أمنية ، لكنني سرعان ما أسقطت هذا التفسير لأننا دخلنا في مواقع تابعة لأعلى القيادات العسكرية الأمريكية في منطقة المطار وفي السايلو في سامراء ، على العموم يوم 18 / 10 كان موعدنا أنا ومأمون ومروان مع السرجنت سينترون في مطار بغداد لنذهب إلى جهة مجهولة لتأشير جوازات السفر تمهيدا للسفر إلى الولايات المتحدة لحضور احدى جلسات المحكمة العسكرية ، حينما وصلنا السيطرة الخارجية للمطار لم تواجهنا الصعوبات التي واجهتنا في المرات السابقة ، فقد عرفنا مداخل المنطقة التي نتوجه إليها وكذلك طرق الاتصال بمن نريد اللقاء به ، كانت سينترون تمتلك خطا هاتفيا أمريكيا أو هكذا قالت لنا ، نحن نشك في كل ما يقولون وهذا من حقنا وواجبنا ولكننا حينما نكون معا نراها تتكلم بهاتفها النقال دون انقطاع مما أثار عندي تساؤلا لم أجد غضاضة في طرحه عليها وقلت لها ( لماذا لا تعطينا رقم هاتفك لتسهيل اتصالنا بك وقت الضرورة ؟ ) قالت إن هذا الخط مرتبط بشبكة داخل الولايات المتحدة وتنظم اتصالاتها عبر الأقمار الصناعية ، وأضافت إنها قررت اقتناء خط عراقي لتسهيل الاتصالات مع أصحاب القضايا التي تتولى دائرتها متابعة التحقيقات فيها ، بعد أن اكتمل العدد وهممت بالذهاب إلى سيارتي قالت لي أترك سيارتك في موقف السيارات لأننا سنذهب سوية إلى المنطقة الخضراء حيث السفارة الأمريكية ! كان هذا كفيلا بإثارة الكثير من التساؤلات المنطقية ، قلت لها ( كان يمكن أن تبلغيني بأن ننتظركم في مكان محدد في الباب القريب من جسر الجمهورية في كرادة مريم فلماذا هذا الجهد الذي لا أفهم له سببا منطقيا ) ، اكتفت بابتسامة عابرة ، لم يكن أمامنا خيار إلا الذهاب في التحقيق إلى نهايته ولذلك لا نريد منحهم سببا في التراجع ، أشارت إلينا أن نتحرك باتجاه عربات همر كانت أطقمها في حالة انتظار ، هل معقول أن نستقل عربات همر لقوات الاحتلال الأمريكي ونذهب بها إلى سفارة دولة الاحتلال ونجتاز خلال هذه الرحلة القصيرة الطويلة طريق المطار ؟ وهل معقول أن من كان يتحسس من المرور على طريق المطار بسيارته الخاصة أن يجتازه من بدايته إلى نهايته وبمدرعة همر هذه العربة التي تحولت إلى رمز أمريكي لقتل أطفال العراق ونسائه وشيوخه ، هل سنركب في عربة ما تزال رائحة الدم العراقي تفوح من نوافذها ، أما الرشاشة الثقيلة التي تنتصب فوقها فربما حصدت أرواح المئات من العراقيين استنادا إلى ما يسميه الأمريكيون برد الفعل الغريزي للدفاع عن أنفسهم بوجه الهجمات التي كانت المقاومة العراقية المسلحة تشنها دون هوادة على قوات الاحتلال ، ربما فكرت مرة أخرى بأننا على صلة بحركة المقاومة وبالتالي فقد أعطيناها توقيتات حركتنا من المطار حتى السفارة ، نعم هكذا فكرت سينترون وإلا فما معنى أن نأتي بسيارتنا من بغداد إلى المطار ونترك سيارتنا الخاصة ونذهب بعربة همر إلى بغداد وبعد عودتنا إلى المطار نأخذ سيارتنا ونعود لوحدنا إلى بغداد ، يمكن أن يكون ذلك مرتبة عالية من الغباء المركب الناتج عن الرعب والهلع الذي سيطر على الجنود الأمريكيين بعد سنة ونصف من احتلال باهض الثمن للعراق الذي فاجئ الأمريكيين ومن خدعهم من العملاء رخيصي الثمن وزينوا لهم الذهاب لخيار الحرب الذي لن يكلف أمريكا أكثر مما تخسره في مناورات لقواتها بالذخيرة الحية ، ركبت معنا سينتورن في عربة واحدة ، رأيت قلقا في عيونها وعيون بقية الجنود يكاد يخرجها من محاجرها ، وربما كنت اسمع نبضات قلوبهم وكأنها دفوف تقرع من بين الضلوع بقوة توشك أن تمزق الصدور من فرط الخوف ، قالت لي المترجمة اللفلسطينية الأمريكية سهام الجعبري إنه أصعب امتحان يجتازه الجندي الأمريكي حينما يمر في شارع المطار ، فمنذ انتهاء عمليات الفلوجة تحولت المواجهة إلى هذه المنطقة وكأن أبواب جهنم قد فتحت على مصاريعهما لاستقبال من تخونه الفرصة ويسقط قتيلا بنيران المقاومة أو بنيران الفوضى التي تسيطر على الموقف عندما يطلق أول مقاوم أول إطلاقة باتجاه رتل أمريكي يبحر وسط جو من الكراهية التي تتفنن في جره إلى منطقة اليأس ، سألتها ولماذا اتخذتم هذه الاجراءات المعقدة والتي تبدو مقصودة أن نكون فيها ضمن عربات الجيش الأمريكي الممقوتة على مستوى الشارع العراقي ؟ قالت يجب أن تعرف أننا لن نتحرك على طريق المطار إلا في الحالات النادرة جدا ، والدوريات القتالية التي تتحرك على هذا الطريق تعيش أزمات قلبية ومعظم من خدم عليه أصيب بأمراض نفسية ، قلت لها نفسية أو عقلية ، أجابت سمها ما تشاء ولكن عليك أن تعرف أننا نتحرك بحماية ست مدرعات قتالية لتأمين وصولنا إلى المنطقة الخضراء التي لا نمر عليها إلا في الحالات المماثلة التي نذهب فيها اليوم ، حينما ذكرت الرقم شعرت بكثير من القلق لأن حجم الدورية يجعل منها هدفا مطلوبا أكثر من الدوريات الصغيرة من قبل المقاومة فالدوريات الكبيرة لا بد أن فيها قائدا عسكريا كبيرا ، كانت أفكاري تذهب بعيدا ، فإذا كنت أخشى من التفسيرات السياسية لمروي بسيارتي الخاصة على طريق المطار ، فماذا يحصل لو أن المدرعة التي كنا فيها تعرضت لضربة مباشرة وكنت من بين خسائرها ؟ عربة الهمر من الداخل فسيحة جدا ومريحة لأطقمها ، وتحتوي على منظمة تكييف واتصالات مع مركز القيادة ، وشاهدت الاضافات التي وضعت على تدريعها لمواجهة الخسائر التي لحقت بها وبمن يركبها ، كان الزجاج سميكا وكذلك الأبواب التي تغلق وتفتح بصعوبة بالغة ، ومع كل ذلك فإنها لم توفر الملاذ الآمن للهاربين من الموت . سار الرتل بنا بسرعة كبيرة ومر قرب جامع أم الطبول ومن هناك اخترق الطرق الموصلة إلى المنطقة الخضراء والتي دخلناها عن طريق بوابة القصر الجمهوري قرب جسر الجمهورية ، مررنا بشوارع القصر الفسيحة والتي أعرفها عن ظهر قلب فأنا من سكنة كرادة مريم وبيتنا كان قريبا على القصر الجمهوري ، وكنت في بعض الأحيان وقبل أن يتحول الشارع الرابط بين جسر الجمهورية والجسر المعلق من أمام المجلس الوطني والقصر الجمهوري إلى طريق خاص ، كنت أمر في ذلك الشارع يوميا وربما مررت فيه أكثر من مرة في اليوم ، ولهذا وجدت منظر الجنود الأمريكان وهم يروحون ويجيئون وكأنهم أهل دار ، وجدت ذلك منظرا يجرح العيون ويدمي القلب ويضغط على الصدر والأعصاب ، وتذكرت قول الله تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، دخلنا مبنى القنصلية الأمريكية وجلسنا في غرفة الانتظار ، جاء المصور لالتقاط صور لنا ، فشروط السفر إلى الولايات المتحدة تقتضي أن تتوثق القنصلية من تطابق المواصفات المثبتة على التأشيرة مع الشخص المعني وهذا لا يتم إلا في حال أن تكون الصورة هي آخر صورة وأن تكون دون نظارات ، قبل أن يبدأ المصور بالتقاط الصور ، هز المنطقة الخضراء صوت انفجار هائل ، إذ سقطت قذيفة قريبا من مبنى السفارة ، وبعد ثوان فقط دوى انجار آخر وثالث ، مع أول انفجار كان الجنود الأمريكيون يركضون برعب في كل الاتجاهات بحثا عن كرسي يلقون أنفسهم تحته قد يوفر لهم الحماية اللازمة من موت يحصد الأرواح بوتائر متصاعدة ، كنت ومأمون ومروان نتبادل الابتسامات ونظرات الرضا مع كل قذيفة تسقط ، وحتى لو لم تقتل أحدا منهم فإنها قتلت فيهم ما يزعمون من إقدام وشجاعة وتركتهم كفئران فاجئها سيل جارف ، بقينا في المبنى حتى عصر ذلك اليوم وأعيدت لنا جوازات سفرنا ، فتحت جوازي لم أجد عليه أي تأشيرة ، قالت سينترون أن التأشيرات في وثائق ستبقى معها ولا تثبت على الجوازات ، عرفنا أن القذائف التي سقطت على مبنى السفارة المجاور للقنصلية قد أدى إلى مقتل أمريكي وإصابة آخرين ، قلت لمأمون ها هم الأمريكيون يسددون من جنودهم بعض ثمن أبنائنا العراقيين الذين سقطوا دفاعا عن وطنهم وأرضهم ، بعد أن انتهينا من هذه المهمة توجهنا مرة أخرى نحو عربات الهمر لنعود إلى المطار ومن هناك أأخذ سيارتي وأعود ومأمون ومروان إلى المنزل ، واكبتنا في طريق العودة نفس هواجس الذهاب من المطار إلى السفارة الأمريكية ، مع ملاحظة أن أعصاب الجنود الأمريكان كادت تخرج من مواطنها بسبب أن العودة كان يقترب مع نزول قرص الشمس وراء الأفق وحينها يبدأ نشاط المرابطين ليلا لملاحقة الجنود الأمريكان المذعورين . يوم الجمعة 22 / 10 / 2004 والموافق للتاسع من رمضان المبارك 1425 اتصلت سينترون وأبلغتني بأن يوم غد السبت هو موعد سفرنا إلى الولايات المتحدة ، وقالت إن موعد مغادرة الطائرة سيكون عند منتصف النهار على أفضل التقديرات ، ولهذا طلبت منا الوصول إلى المطار حوالي العاشرة صباحا من يوم السبت 23 / 10 ، كنت على يقين أنها تكذب علينا بشأن وقت إقلاع الطائرة ، فهم يريدون حضورنا في وقت مبكر ليأخذوا وقتا أطول لعزل حقائبنا في العراء وفي مكان بعيد عن تواجد الجنود الأمريكيين خشية من وجود عبوة فيها ومن ثم التدقيق فيها وإخضاعها للفحص في أجهزة السونار ، ومن أجل أن يمر الوقت دون عناء دعتنا سينترون لتناول وجبة الغداء في المطعم العسكري الأمريكي في تلك القاعدة ، وهو مطعم مخصص للضباط والجنود على حد سواء ، لأننا على سفر فقد أفطرت ذلك اليوم ولكن مأمون أصر على البقاء صائما ، وحوالي الثالثة جاء النداء باللغة الانكليزية حول الرحلة التي كنا سنغادر عليها ، ظلت الجهة التي كنا سنذهب إليها مجهولة حتى طرق سمعنا اسم الكويت ، أه من هذا الاسم المشؤوم الذي تجرعنا بسببه كل هذه الآلام وتعرض بلدنا لأكبر الحروب منذ الحرب العالمية الثانية ، ولولا الكويت ما كان بلدنا سيحتل وما كنا خسرنا ابننا إذن ، فبقدر اللعنات التي نصبها على أمريكا وبريطانيا وبوش وبلير ومن قبلهما بوش الأب ومارغريت تاتشر وأمير مشيخة الكويت ومن خلفه ومن سبقه ، توجهنا إلى قاعة كبيرة اصطف الجنود الأمريكيون أمام بوابتها في طابور طويل وكان يخضعون لتفتيش دقيق أيضا ، تساءلت مع نفسي إذا كان الجنود الأمريكيون يخضعون لهذه الدقة في التفتيش فماذا سيكون نصيبنا ؟ ثم أنني عجبت من أسباب تفتيش جنودهم هل يعود ذلك لعوامل أمنية أم خشية من أن يصطحب هؤلاء الجنود معهم بعض الممنوعات ؟ بعد التفتيش اليدوي على الجميع المرور من بوابة السونار لمزيد من الدقة ، فالأمريكيون مقتنعون بأن الضجر المرافق لإجراءات ما قبل السفر أهون بكثير من ندم تجلبه كارثة تعرض سمعة أمريكا لزلزال كبير ، تباعا توجهنا إلى الطائرة العسكرية الأمريكي من طراز C130 ، هي ليست كالطائرات المدنية لا في طريقة الدخول إلى جوفها ولا في طريقة جلوس الركاب فيها ، بعد أن دخلنا الطائرة من باب خلفي يفتح ميكانيكيا وجدنا من الداخل وقد تم شطرها إلى نصفين على طول هيكلها بشبه جدار معدني مشبك ، وفي كل نصف رصف الكراسي جزء منها أعطى ظهره لنوافذ الطائرة ، وجزء آخر مقابله ، ولكنها كراسي غير مريحة وغير معدة لسفر طويل ، استذكرت وحشية الجيش الأمريكي الذي قام بنقل المئات من المجاهدين العرب والمسلمين الذين أسرهم في عدوانه على أفغانستان ، بهذه الطائرات ولرحلات استغرقت أكثر من عشرين ساعة وكانوا معصوبي الأعين وموثوقي الأيدي والأرجل في أسوأ عمليات نقل وحشية عرفها تاريخ الدول والأمم المتحضرة ، بمجرد دخولنا في الطائرة أعطانا بعض جنود الخدمة على متنها علبة صغيرة ، لم نتبين محتوياتها لأول وهلة واستنادا إلى خبرتي في التعامل مع المستجدات فإن علي مراقبة الآخرين ومعرفة تصرفهم والعمل على أساسه ، بدأ الجميع بفتح العلبة وإذا بها تحتوي على قطعتين من الاسفنج المخصص كسدادة للآذان لمنع هدير الطائرة من الوصول إليها فالطائرة ليس فيها عزل للصوت الخارجي أو للضغط و الحرارة ، بعد أن أغلقت الطائرة أبوابها تحركت نحو المدرج العسكري المخصص لسلاح الجو الأمريكي في تمام الساعة الرابعة عصرا ، ثم انطلقت إلى أعلى ، غير أنها بدأت بحركة دوران لولبي فوق منطقة المطار ، قالت لنا سينترون إن الطائرة ستبقى تدور في محور واحد لسبع دورات كاملة حتى تتجنب النيران الأرضية التي يمكن أن تستهدفها من مناطق معادية في أبو غريب والفلوجة . بعد رحلة استغرقت ساعة ونصف من المطبات الجوية والضجيج العالي ، ومع موعد الافطار وصلنا قاعدة علي السالم ، وهي قادة أمريكية بامتياز من حيث الإدارة والسيطرة والتوجيه والإشراف ، وتحمل من الكويت اسم أحد أفراد الأسرة الحاكمة في المشيخة وتم وضع القاعدة تحت خدمة الجهد الحربي الأمريكي منذ قيام الولايات المتحدة بأكبر حشد عسكري لها في المنطقة تمهيدا لشن الحرب على العراق في عام 1991 ، واستمرت القوات الجوية الأمريكية تحتلها وتعد هي وقاعدة السيلية والعديد في قطر وأنجرليك في تركيا جزء حيويا من الحزام العسكري الأمريكي المضروب حول منطقة الخليج العربي ، بعد الوصول مباشرة توجهنا إلى مطعم القاعدة لتناول طعام الافطار وبعد استراحة قصيرة أعقبت الافطار واصطحبنا مترجم كويتي من أصل سوري اسمه مصطفى قداح ويعمل في أحد المكاتب الأمريكية الملحقة بالسفارة وكان مكلفا بمرافقتنا خلال وجودنا في الكويت ، وأخذنا حقائبنا ومضينا مع مصطفى في سيارة خاصة وأخبرتنا سينترون بأننا سنغادر من مطار الكويت الدولي في طريقنا إلى أطلنطا في أمريكا عبر مدينة أمستردام الهولندية في الواحدة والنصف بعد منتصف الليل ، ولهذا سنتوجه إلى المطار من فورنا لأننا لا نريد البقاء داخل مدينة الكويت ، ذهبنا إلى المطار وفي الطريق لاحظت شاحنات كبيرة تحمل أشجار نخيل كاملة جلبتها من العراق في نطاق مساع تنفذها جهات حكومية للإجهاز على رمز العراق ( النخلة ) وإلا فما معنى أن يتم جلب نخلة لا يقل طولها عن ثلاثة أمتار إلا إذا كان القصد هو تشجيع قلع النخيل وبخاصة من مدينة البصرة وبثمن بخس تدفعه إلى ضعاف النفوس وجهلة أغبياء يقطعون أثداء أمهاتهم ويتاجرون بها مع أسوأ سماسرة الأرض ، ويجردون أرضهم من عمتهم النخلة ويبيعونها لطرف يتمنى أن يرى أرضهم صحراء قاحلة جرداء لا ينبت فيها زرع ولا يدر فيها ضرع ، خلال ساعة مرت في الطريق ثلاثون شاحنة تحمل الكثير من نخيل العراق الذي يأبى الاستيطان في إلا في أرضه ، حمدت الله أن غباء من قرر جلب النخيل من العراق جلب نخلات لم يعد بإمكانها انتاج الفسائل وبالتالي فإن النخلة التي تموت إنما تنتحر احتجاجا على صفقة بين نخاس بليد وفلاح غبي ، أغمضت عيني لأنني لم أطق رؤية المزيد من باسقات العراق تنحر على يد جزار يستنسخ تجربة اليهودي شايلوك في مسرحية شكسبير المشهورة ( تاجر البندقية ) ، ثم أنني لم أرغب برؤية شوارع المدينة التي كانت تتسع كبالون يوشك على الانفجار إلا من جهة البحر دون حاجة حقيقية لمثل هذا التوسع ، واستخدمت جسرا للعدوان على العراق وتدمير بنية الدولة فيه وحراثة شوارعه وكأنها حقول تنتظر من يزرعها كانت تعج بالحركة البهاء وقد ارتفعت فيها أعمدة الكهرباء ببلادة ودون انتظام لتحمل مصابيح تحول ليلها إلى نهار ، بعد جولة غير مقصودة في شوارع الكويت ، وصلنا مطارها بانتظار موعد اقلاع الطائرة ، بمجرد وصولنا إلى مكتب الخطوط الجوية الملكية الهولندية KLM فاجأنا موظف المكتب وهو سريلانكي بأنه يتعذر عليه اتمام الحجز لأننا لم نحصل على تأشيرة لدخول هولندا وحينما أكدوا لهم بأننا لا نسعى للنزول في أمستردام أصر على شرط حصولنا على تأشيرة هولندية فكان هولنديا أكثر من رئيس وزرائها وأظهر عنادا آسيويا لم تنفع معه الكلمات الطيبة ، حتى دخل ممثلو السفارة الأمريكية في الكويت بحوار استخدمت فيه لغة يبدو أن بعض مواطني البلدان الضئيلة الوزن والحجم لا يفهمون سواها وتم حل المشكلة ، وبعد أن أنجزنا وزن الحقائب وأشرنا تذاكر السفر دخلنا قاعة المغادرين باتجاه كابينة شرطة الجوازات الكويتية فوجئنا بانها تحججت بهبوطنا في قاعدة علي السالم وعدم حصولنا على تأشيرة لدخول الكويت معتبرة ذلك مخالفة منا لا يمكنها التغاضي عنها ، ولذلك منعت سفرنا على متن الطائرة التي كانت سينترون قد حجزت لنا عليها ، وكانت حجة الكويتيين بأن الاتفاقية مع الولايات المتحدة تسمح للرعايا الأمريكان فقط بالعبور عبر المنافذ الحدودية دون تأشير جوازات سفرهم اعتمادا على بطاقة الهوية ، وهذا ما تدحضه الوقائع التي شاهدناها بأعيننا حينما عبر المئات من الآسيويين أو من دول أمريكا اللاتينية الذين جاءوا معنا أو بطائرات قبلنا وبعدنا والذين لم يعترض طريقهم أحد ، ولكن مشيخة الكويت أرادت ان توصل لنا رسالة بأنها تستطيع التمرد على الإملاءات الأمريكية ، نعم أن الآلاف من أفراد القوات الأمريكية والعاملين معها وفي خدمتها من عمال الخدمات من مختلف الجنسيات يدخلون ويخرجون من أجواء الكويت ومنافذها البرية والجوية دون عراقيل ، ولكن الكويت التي ضاق صدرها بثلاثة عراقيين تنفسوا جزء من هوائها أو شربوا قليلا من مائها وهي لا تدري بذلك وهما على كل حال لا ماؤها ولا هواؤها أرادت ان تنتفخ أمامهم لتبدو أكبر من حجمها ، وربما لو لم تكن معنا مرافقة أمريكية مسؤولة عن سلامتنا حتى العودة إلى العراق ، وبعد ذلك يمكن أن نستهدف من القوات التي تنتمي إليها ، فقد كنا سنتعرض لتغييب من قبل سلطة تحمل عقدة الدولة وموروثا ثأريا لازمها كمرض البرص ولا تستطيع الشفاء منه حتى عند أمهر الجراحين ولا في كل مياه الأرض ، لم يكن من شأننا أن نتدخل في الأمر فهناك السفارة الأمريكية وهناك معنا على الطائرة مرافقتنا السرجنت سينترون والتي أجرت اتصالات مكثفة وواسعة النطاق حتى وصلت القضية إلى مكتب قائد القيادة الأمريكية الوسطى الذي اعتبر التصرف الأمريكي في بغداد خطأ يجب تحمل تبعاته ولكنه وعد بالتحرك من أجل حل هذه القضية ، وعلى أمل أن تستكمل الاجراءات الأصولية في اليوم التالي تم سحب حقائبنا من الطائرة التي انتظرتنا بعض الوقت وحصل اتصال مع وزير داخلية الكويت من أجل حل الاشكال الذي لم نكن طرفا فيه ولا نرغب بوقوعه ولأن الأمر لا يرتبط بالسرجنت سينترون فقد كان متاحا لها المغادرة على الطائرة ولكن آثرت ارجاء سفرها أيضا لحين التأكد من أننا سنغادر إلى الولايات المتحدة دون متاعب جديدة ، غادرنا المطار باتجاه المدينة للمبيت فيها ليلة واحدة وأخيرا استقر بنا المقام في فندق النخيل وهو اسم لا ينطبق على هذه البقعة الصحراوية على كل حال ولكنه من الفنادق المبنية حديثا على ما يبدو ، ولم نبارح الفندق من ليلة دخولنا إليه إلى وقت مغادرته مع اقتراب موعد السفر في اليوم التالي لآن جوازات سفرنا محجوزة عند سينترون ونحن في أرض تتصيد لنا الأخطاء ، وتوجهنا إلى المطار عبر شوارع مدينة الكويت ولا نعرف فيما إذا كانت رحلتنا ستتم بيسر أو تبرز مشكلة جديدة ، في العاشرة ليلا كنا في المطار وأخضعنا حقائبنا للوزن والتفتيش الالكتروني مرة أخرى ومررنا عبر حواجز شرطة الجوازات دون عراقيل ودخلنا في جوف طائرة البوينغ 767 التابعة للخطوط الجوية الهولندية والتي أقلعت في موعدها ويبدو أن التدابير الأمنية رافقتنا داخل الطائرة وبترتيب من سينترون فقد حرصت على جعل جلوسنا في مقاعد متباعدة ، كانت الطائرة شبه خالية من الركاب ولهذا جاء مأمون وجلس بجواري ، الطائرة من نوع حديث وسمعة الخطوط الجوية الملكية الهولندية طيبة جدا في عالم الطيران المدني ، وكانت الشركة على حد معلوماتي تمتلك أفضل مطبخ بين الخطوط الجوية العالمية وكان الكثير من شركات النقل الجوي تستفيد من خدماته لتجهيز طائراتها بالوجبات الغذائية للمسافرين على متن طائراتها ، ولكن يبدو أن الزمن أكل من خبرتها وجودة خدماتها ، بل يبدو أن شركات الطيران في مختلف دول العالم قد خفضت من سقف خدماتها لركابها بحثا عن الربح والاثراء السريع ، استمر طيراننا المباشر بين الكويت وأمستردام ست ساعات ، وجدنا مطار العاصمة الاقتصادية لهولندا مدينة قائمة بذاتها ، يتم التنقل بن محطاته الرئيسة بواسطة قطار مجاني خاص بالمطار ، ولما كان أمامنا ست ساعات أخرى حتى يحين موعد اقلاع الطائرة التي تذهب بنا إلى مدينة أطلنطا الأمريكية ، فقد تجولنا في أنحاء المطار دون قلق من اقتراب موعد اقلاع الطائرة ، وفي حوالي الحادية عشرة صباحا أقلعت بنا الطائرة الهولندية وهي من نوع بوينغ 767 أيضا باتجاه العالم الجديد ، بعد أن غادرت البر الاوربي أخذت تتجه شمالا نحو جزيرة غرينلاند والتي كانت على الجزء الأيمن من بدن الطائرة ، فرق التوقيت بين بغداد وأمستردام ساعتين وبين أمستردام والشاطئ الشرقي للولايات المتحدة خمس ساعات وبعد رحلة كنا معلقين خلالها بين السماء والأرض ولا نرى أيا منهما بدأت الطائرة تستعد للهبوط في مطار أطلنطا وكان مطارا شديد الازدحام هبوطا واقلاعا وأخيرا وعند الثانية عشرة بالتوقيت المحلي استقرت الطائرة على أرض المطار عند أحد الخراطيم ، وبعد انتظار آخر ولكنه قصير أخذنا طائرة أخرى متجهين إلى مدينة هيوستن في ولاية تكساس ، ومن مطار هيوستن أخذنا طائر أخرى إلى مدينة أوستن في الولاية نفسها وبعد رحلة استمرت حوالي 24 ساعة وجدنا أنفسنا يوم الاثنين 25 تشرين الأول / أكتوبر 2004 والمصادف للثاني عشر من رمضان المبارك 1425 في أخر مطار ولنواصل رحلتنا برا إلى قاعدة فورت هود العسكرية الكبرى وحيث المحكمة العسكرية المكلفة بالنظر في قضية قتل زيدون ، وفي المطار وجدنا مترجما أمريكيا يعمل في الجيش الأمريكي وهو من أصل لبناني اسمه إبراهيم حسين ، وسبق له أن خدم في العراق مع الفرقة الأمريكية في محافظة صلاح الدين ، وقد رحب بنا بحرارة وتحركت فيه التقاليد العربية في إكرام الضيف وبذل جهدا كبيرا من أجل اثبات أنه يعاني من انفصام في الشخصية كونه عربي الأصل ويخدم في جيش كل حروبه الحالية ضد أبناء جلدته ، وقال إنه يتمنى أن يسير الزمان أسرع مما يفعل كي يحصل على مستحقاته التقاعدية ويستريح من حرب الأعصاب التي يعيشها ، هو يسكن في القاعدة ويبدو أن ظروفه المادية كانت جيدة جدا فقد ساق لنا أحاديث عن هوايته لامتلاك الخيول العربية وامتلاكه بعضا منها وربما تبادر إلى ذهني أنه استولى على بعض مما وجده في ( عراق الفرهود ) وضياع مؤسسات الدولة وتعرض الممتلكات العامة للنهب والسلب على أيدي الرعاع واللصوص ، بعد أن استكملنا سحب الحقائب وتوجهنا إلى السيارة العسكرية ، أبلغنا إبراهيم حسين أن موعد جلسة المحكمة كان يوم أمس وبسبب عدم حضوركم في الوقت المحدد تم تأجيل الجلسة إلى موعد يتم تبليغكم بوقته لاحقا وقال إنه يعرف تفاصيل ما جرى في الكويت وأدى إلى تأخركم أربعا وعشرين ساعة وتم إبلاغ هيئة المحكمة بذلك . أقمنا في أحد فنادق قاعدة فورت هود والمخصص للضباط من غير المقيمين فيها عادة والذين يضطرون للمكوث لمدة محدودة إما لزيارات التفتيش أو الاستدعاء أو الاجازة ، كان الاعياء قد أخذ منا كل رصيدنا من المطاولة لذلك أمضينا بقية اليوم حتى المساء في غرفنا وقد أقام لنا السيد إبراهيم حسين مأدبة عشاء كريمة في مطعم لبناني قريب من القاعدة ، وحضر معنا السيد مروان عبد الرحمن وهو مترجم مصري مقيم في نيويورك ويمتلك مكتبا للاستشارات والترجمة القانونية ، وقد انتدبته المحكمة للمشاركة في الترجمة القانونية أثناء سير المرافعة ، وقد أخبرنا السيد إبراهيم حسين أن مروان عبد الرحمن تقاضى مقابل العقد مع المحكمة عشرة آلاف دولار مع تذكرة السفر على الدرجة الأولى من نيويورك إلى أوستن ذهابا وإيابا والإقامة في فندق خمس نجوم مع سيارة تحت تصرفه طيلة المدة التي تستغرقها مهمته ، وفي اليوم التالي جاءنا السيد إبراهيم حسين وذهبنا إلى أحد مطاعم القاعدة واشترينا منه ما نحتاج إليه من أطعمة لبقية اليوم . في يوم الأربعاء 27 /10 / 2004 عقدت جلسة استماع في المحكمة وقد استدعي مروان ومأمون تباعا ووجه لهما القاضي أسئلة حول الجريمة وحاول ان يذهب بهما بعيدا إلى القناعات السياسية والفكرية ورأيهما في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكي وفي المساء جاء إلى الفندق المحامي النقيب شيفرز ومعه النقيب المحامية وطلبا من مروان الاستعداد لمقابلة معهما ، حين سألنا عن سبب اللقاء في الفندق قال إبراهيم إنهما يريدان التوثق عن بعض المعلومات التي وردت بإفادة مروان ومأمون ، وقد أبلغني المحامون الأربعة نقلا عن هيئة المحكمة أنها لا تسمح لمحام غير عسكري أمريكي أن يترافع أمامها ضد متهم عسكري أمريكي ، بل أنها لا تقبل محاميا مدنيا حتى ولو كان أمريكيا ليفعل ذلك ، هذا هو القانون العسكري الأمريكي والقانون هو الذي يأخذ طريقه للتنفيذ بصرف النظر عن رأينا فيه ، مساء دعانا إبراهيم حسين على طعام العشاء في مطعم إيطالي قريب وبعد تناول طعام الفطور وحينما كان مقر قيادة المعسكر خاليا من ضباطه أخذنا إبراهيم إلى مقر قيادة القوات التي عملت في العراق خلال وجوده مع القائد في محافظة صلاح الدين وأطلعنا على صوره مع القائد الأمريكي وبعض من أسماهم بوجهاء المحافظة ، ويبدو أن ذلك من بين الأسباب التي دفعت الجهات العسكرية الأمريكي إلى منعه من مرافقتنا في زيارتنا الثانية للمنطقة . لم يطل بنا المقام في فورت هود ففي يوم الجمعة 29 / 10 / أقام لنا إبراهيم حسين دعوة عشاء في مطعم لبناني في مدينة كلين المجاورة وأبلغنا بأننا سنغادر إلى العراق يوم غد 30 / 10 وتمنى علينا أن نجلب له تمرا عراقيا خلال زيارتنا المقبلة ووعدناه بذلك ، وفي تمام الساعة الثانية ظهرا بالتوقيت المحلي غادرنا مطار أوستن متوجهين إلى مطار مينا بولس في ولاية ميسوري ، وانتقلنا إلى طائرة الخطوط الجوية الهولندية الملكية KLM المتجهة إلى أمستردام وأقلعت بنا الطائرة في الوقت المقرر وبعد طيران استمر ست ساعات هبطت بنا الطائرة في مطار أمستردام ومنه غادرنا إلى الكويت على متن طائرة أخرى ووصلناها يوم 31 / 10 وانتقلنا إلى قاعدة علي السالم الجوية حيث بتنا فيها ليلة واحدة وهذه القاعدة كنا قد حللنا فيها في طريق المغادرة إلى الولايات المتحدة ، عصر اليوم التالي أي يوم الاثنين 1 / 11 غادرنا القاعدة الجوية الأمريكية في الكويت على طائرة C 130 إلى بغداد وعند اقترابها من المطار لم تكن الطائرة قد بدأت بالهبوط التدريجي كما هو معتاد حتى وصلنا محيط بغداد حيث بدأت بالهبوط اللولبي كما أقلعت قبل أسبوع ولم تتمكن القوات الأمريكية البرية من تأمين إقلاع وهبوط آمنين لطائراتها المغادرة والعائدة إلى بغداد ، ويبدو هذا النوع من الاقلاع والهبوط مثيرا للقلق وتوتر الأعصاب فالهواجس تتكرر وبدرجة أكبر من حوادث العجلات الأمريكية في شوارع بغداد فيما لو وقعت وخاصة على طريق المطار ، فالبحث عن الجثث في حوادث سقوط الطائرات ومن ثم تشخيص الجثث بواسطة الحمض النووي يعد في مثل ظروف العراق الأمنية غاية في التعقيد والصعوبة أو الاستحالة ، على العموم هبطت الطائرة وهي ذات أربعة محركات مروحية على مدرج المطار وحمدنا الله على السلامة والعودة إلى أرض الوطن ، أوصلتنا سيارة رباعية الدفع إلى السيطرة الخارجية للمطار وكنت قد اتصلت بمن يأتي إلينا لأخذنا إلى المنزل . الخطوة السابعة بانتظار قرار الحكم رجعنا إلى بغداد دون أن نحصل على وعد واضح عن الحكم الذي سيصدر على العريف الأمريكي الذي نفذ فصول الجريمة ، على الرغم من أن المحامي شيفرز وزميلته قطعا بأن بيركنز سيدان بارتكاب الجريمة ، غادر مأمون ومروان إلى سامراء ، وكنت أتلقى مكالمات هاتفية من داخل العراق ومن خارجه عن نتيجة المعركة القانونية التي دخلناها ، وكالعادة في مثل هذه الظروف كنا نواجه الكثير من الأسئلة عما حصل خلال سفرتنا للولايات المتحدة ، حينما كنا نجيب بأن الجلسة كانت للتحقيق وليس لمحاكمة المتهمين كانت تعليقات المتصلين تجمع على ابداء الاسف والدهشة ذلك أن التحقيقات قد أخذت زمنا طويلا جدا في قضية واضحة ولا ألغاز فيها أبدا ، بعد أن نوضح ذلك تنتقل الاسئلة للقادم من التدابير والاجراءات ، وفي هذه النقطة بالذات نجد أنفسنا أكثر رغبة في معرفة ما ستؤول الأمور إليه لأننا أصحاب القضية ، اتفقت مع مروان أن يبلغني بأي اتصال يتم من الأمريكان معه قبل أن يقدم على أية خطوة غير مدروسة ، كنت أظن أن الأمريكان ربما يسعون للتخلص من مروان لأنه الشاهد على جريمة لم يكونوا ليتصوروا أنه سيفلت من الموت ، فإن لم يبتلعه ناظم الثرثار ، فإن الماء البارد في بداية شهر كانون الثاني / يناير كاف لقتل من ينزل إليه ولهذا فقد تعمدت المجموعة التي نفذت الجريمة على البقاء لمدة ساعة تقريبا في موقع الجرية لرصد المشهد وقتل من يتمكن من الخروج منهما . واصلت حركتي على مستوى الصحف المطبوعة والفضائيات وحيثما أتيحت لي فرصة الحديث عن الجريمة فقد كنت أطرح المعلومات القديمة وما يستجد من معلومات وكنت في حالة انتظار الخطوة التالية ، وبعد شهر من عودتنا من فورت هود اتصل بي السرجنت واتسون وهو مساعد لسينترون وأبلغني بالحضور إلى منطقة المطار لمراجعة السفارة الأمريكية مرة أخرى بهدف الحصول على تأشيرة ثانية لدخول الولايات المتحدة ، ولكنني أوضحت أن هذا الطلب لا مبرر له أبدا وأننا نستطيع الذهاب إلى بوابة المنطقة الخضراء قرب جسر الجمهورية ، وننتظر هناك لحين مجيئكم وتسلمون أسماءنا لشعبة الاستعلامات وعندها ستمر بشكل اعتيادي ، وأضفت لا معنى أبدا لمجيئنا إلى منطقة المطار ثم العودة مرة أخرى إلى بغداد ، وبعد نقاش لم يخل من تباين حاد في وجهات النظر ، اقتنع بوجهة نظري ومن المحتمل أنه لم يبت من تلقاء نفسه بذلك ، وحدد يوم الخميس الثاني من كانون الأول ديسمبر 2004 موعدا للذهاب إلى السفارة ، اتصلت بمأمون ومروان وطلبت منهما المجيء من سامراء ، وكانت هذه السفرات تحمل من المغامرة والمجازفة بسبب انعدام الأمن على طول طريق بغداد سامراء ، بسبب النشاط الذي تمارسه المقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال الأمريكي وردود الفعل الانتقامية التي ترد فيها تلك القوات على المواطنين الآمنين المسافرين على الطرق الخارجية ، وفي اليوم المحدد ذهبنا إلى بوابة القصر الجمهوري في كرادة مريم عند جسر الجمهورية ، وبعد انتظار طويل نودي علينا للدخول ووجدنا واتسن بانتظارنا في عربات عسكرية مدرعة ، ومضيا معا إلى مبنى السفارة الذي كنا قد جئناه قبل عدة أسابيع للغرض نفسه ، كانت المهمة هذه المرة أسهل من السابقة حيث أن السفارة سبق لها أن ثبتت المعلومات الخاصة بنا في حواسيبها ولم تفعل أكثر من استخراج تلك المعلومات مع تغيير تواريخها . بعد الانتهاء من هذه المهمة المزعجة حقا ، سألت واتسون عن سينترون فقال إنها أنهت خدمتها وعادت إلى الولايات المتحدة وأنه شخصيا حل محلها في مهمتها القانونية ، وسألته عن موعد السفر فقال إنه لا يعرف وحينما تتوفر لديه معلومات سوف يخبرنا بوقت كاف للاستعداد للسفر ، ولكنه في التالي اتصل بي وأبلغني بالحضور إلى المطار يوم السبت 4 / 12 / 2004 وحوالي الثالثة عصرا كنا في داخل المطار بعد تكرر الاجراءات الأمنية عند البوابات المتعددة للمطار ، وسلمنا حقائبنا لواتسون وجلسنا في صالة الانتظار مع ملاحظتنا بعدم وجود استعدادات حقيقية للسفر ، وبعد انتظار طويل قالوا لنا إن السفرة تأجلت حتى الغد ، وخيرونا بين المبيت في صالة الانتظار أو العودة إلى المنزل ، فاخترنا العودة للمبيت في البيت على أن نكون في المطار عند الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم التالي الأحد 5 / 12 وهذا كما حصل ، غير أن طائرتنا لم تقلع إلا في التاسعة والربع مساء وأخذت حركتها اللولبية بالارتفاع وكان ذلك يذكرني بالصعود على مئذنة الملوية في سامراء من حيث طبيعة الحركة اللولبية ، ووصلنا الكويت مرة أخرى حوالي العاشرة والنصف مساء ، ومن هناك انتقلنا إلى مطار الكويت الدولي ، ولكن المشهد السابق تكرر هذه المرة أيضا وعجبت أن بلدا مثل الولايات المتحدة يقع في نفس الخطأ مرتين وفي غضون خمسة أسابيع فأية دولة عصرية هذه وقلت لواتسون لو أن بلدا مثل العراق ارتكب هذا الخطأ الذي وقعتم فيه ماذا كنتم ستقولون عنه وماذا ستطلقون عليه من الأوصاف ؟ لم يعط جوابا قاطعا على السؤال لأنه كان مقتنعا بأن المشكلة سيتم حلها في غضون ساعات ، وسنغادر في طائرة لاحقة كما حصل في المرة السابقة ، ولذا فقد تم نقلنا إلى دار الضيافة في قاعدة الدوحة العسكرية الأمريكية في الكويت وهذه القاعدة كانت بالأصل ميناء بحريا تجاريا وتم تحويله إلى قاعدة بحرية أمريكية ، استمرت الاتصالات خلال الليل مع السلطات الكويتية والتي كررت حجتها السابقة بأننا دخلنا الأراضي الكويتية بصورة غير مشروعة وكأننا كنا نرغب بدخولها بأية صورة من الصور أو كأن هذه السلطات تمسك بحدود الكويت من أطرافها ، ولما وصلت الاتصالات إلى طريق مسدود أبلغنا واتسون بأن السلطات الكويتية أبلغته بضرورة مغادرتنا الكويت فورا ، من أجل ذلك تم نقلنا من القاعدة البحرية في الدوحة إلى قاعدة علي السالم الجوية وتم وضعنا تحت حراسة مشددة ، وقابلنا آمر القاعدة وهو ضابط برتبة عقيد وطمأننا على سلامتنا ، الذي قال بأنهم حرصوا على التحفظ علينا لحمايتنا من الكويتيين لأنهم يعرفون نواياهم تجاه كل عراقي فأبدينا استغرابنا من هذا الطرح ، ليس لأننا نعجب من عقد الكويتيين تجاه من هو اكبر منهم حتى في أسوأ ظروفه وإنما لأننا سنكون في حماية أمريكية على حد زعمهم من عرب لم نشعر بخوف منهم في أي ظرف من الظروف ومهما لوثت السياسة المشاعر والعقول ، وفي الثانية والنصف من يوم الاثنين 6 / 12 أقلعت بنا الطائرة إلى بغداد ووصلناها في الرابعة وخمس دقائق ، وكان طبيعيا أن تؤجل الجلسة مرة أخرى لحين جلب شهود حق الادعاء الشخصي . أمر العقيد بترتيب غرفة نوم فجلبوا لنا ثلاثة أسرة على عجل ، وكان سؤالنا الملح ، هل يصح لبلد مثل الولايات المتحدة والذي يطرح نفسه أعلى قمة في التطور والتقدم الإنساني والعلمي والسياسي والقانوني ، أن يكرر هذا الخطأ الكبير في قضية صغيرة بهذا المستوى ، ولماذا لم تستفد السلطة المختصة من تجربة منعنا في المرة السابقة ولم تمض عليه إلا خمسة أسابيع ؟ الكويت معنا أرادت أن تستعرض أهميتها وتمنع دخولنا إلى أراضيها في المرة السابقة وبعد تدخل قائد القيادة المركزية الأمريكية تم السماح لنا بالمغادرة إلى أمريكا ، فما بال السلطة نفسها ترتكب نفس الخطأ مع نفس الجهة في غضون خمسة أسابيع ؟ ترى ماذا كانوا سيقول الأمريكيون بلد مراكز الدراسات الاستراتيجية وبلد أكثر أجهزة الكومبيوتر تعقيدا لو أن بلدا عربيا ارتكب هذا الخطأ ؟ ألا يعتبرونه فضيحة تنم عن غباء مستحكم ومركب ؟ أم انهم سيعتبرونه سهوا يمكن أن يقع فيه الجميع ؟ نعم هذه أمريكا عارية بالتجربة الميدانية الصغيرة . رجعنا إلى بغداد ولم يبلغنا الأمريكيون عن موعد سفرنا البديل وإن قالوا لنا سنتصل بكم في وقت لاحق لإبلاغكم بالموعد ، وطلبت منهم أن يتم الاتصال بنا قبل ثلاثة أيام كي تتاح لنا الفرصة للتهيؤ للسفر لاسيما وأن مأمون ومروان يسكنان في مدينة سامراء وفي ظل الظروف الأمنية المعقدة وتنقل الأرتال العسكرية الأمريكية على الطريق وقطعه ولمدد طويلة فلا بد من ابلاغهما قبل وقت مناسب للانتقال إلى بغداد على الطريق نفسه الذي سار عليه مروان وزيدون في اليوم الذي سبق ليلة الجريمة الأمريكية ، ويوم 24 كانون الأول / ديسمبر 2004 اتصل السرجنت واتسون وطلب منا الحضور إلى نقطة السيطرة الأولى التابعة للمطار ، ولم نعلم ما هو المقصود من هذه الخطوة الجديدة ولماذا الذهاب إلى المطار مرة اخرى ، وطالما أننا أصبحنا جزء من هذا المشهد فعلينا أن نذهب به إلى نهايته مهما عانينا من التحرك بناء على مواعيد يفرضها عدونا فهو الخصم والحكم ليس في جريمة قتل زيدون وإنما في جريمة قتل مشروع العراق النهضوي الكبير ، ولكن معاناتنا عند المرور على طريق الموت تتكرر وبصورة مؤلمة كلما ترافقت مع مشاعر البغضاء لجنود يرتهنوننا كدروع بشرية لحمايتهم أو لقتلنا معهم في حال لم نوفر لهم الأمن في طريق محفوف بكل الأخطار المحتملة وغير المتوقعة ، ومع كل متر نجتازه ونشعر فيه بالطمأنينة تضغط علينا هواجس مئات الأمتار الأخرى بكل ثقلها ، وصلنا وانتظرنا مرة أخرى وبعد أن جاءنا واتسون وأخذنا إلى قصر الفاو الرئاسي الذي تحول إلى مقر القيادة العسكرية للقوات الأمريكية في العراق ويشكل كابوسا مزعجا بسبب هذا السطو ، تم ابلاغنا بأن موعد سفرنا الجديد إلى الولايات المتحدة قد تقرر في يوم الثلاثاء 28 / 12 / 2004 ، ألهذا استدعيتمونا إلى المطار ؟ ألم يكن ممكنا تبليغنا هاتفيا ؟ تساءلنا بسخط ظهرت علاماته على وجوهنا ، ولكن جوابا لم يصل أبدا . ظهر يوم الثلاثاء 28/ 12 لم يبق من عمر السنة غير ثلاثة أيام ونصف ونودع عاما ذاق فيه العراقيون مرارات لم يذوقوا أمر منها قبلا ، الفلوجة شهدت معركتين استخدمت فيها الولايات المتحدة كل ما في ترسانتها من وسائل قتل ولم يسأل أحد من المراقبين الدوليين نفسه هل كانت هذه الأسلحة محرمة ؟ أم أن في القتل هناك سلاحا نظيفا وآخر محرما ؟ وشهدت مدينة النجف معركة بدأها أنصار مقتدى الصدر للسيطرة على خزائن مرقد الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومفتاح المزار للسيطرة على المداخيل وإزاحة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عنها ، فوقع الصدام بين الجانبين وانحاز الأمريكيون إلى جانب المجلس ودفع أبناء النجف ثمن صراع مفاتيح المزارات ، وحدثت الانتهاكات المروعة في سجون الاحتلال الأمريكي وخاصة سجن أبو غريب وبأوامر منهجية من الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزير دفاعة دونالد رامسفيلد ، وتغيرت حياتنا وساد القلق في أعلى درجاته كل دقيقة من عمرنا الباقي مع هذا الاحتلال البغيض . منتصف نهار ذلك اليوم كنا عند ( جيك بوينت وان ) في المطار ، أنزلنا حقائب السفر وبدأ الكلب الأمريكي المدرب يؤدي دوره ويدور حول السيارة دون توقف ، وصلنا المقطع الثاني وفيه تفتش من قبل أفراد ( الحرس الوطني ) دون أن نشعر أن الأمر انطوى على دقة حقيقية مما أكد أن الاجراءات الأمنية كانت تحرص على المظهر دون أن تنفذ تدابير تفتيش دقيقة ، وعند المقطع الأخير ودعنا سهام وعبد الحكيم عند اجتيازه وجدنا واتسون بانتظارنا ، تسلم حقائبنا وركبنا السيارة العسكرية الأمريكية والتي أصبحت رمزا لاستهداف المقاومة العراقية المسلحة ، وحينما وصلنا قاعة الانتظار وجدنا المئات من الجنود الأمريكان وهم يغطون في سبات عميق ، منهم من استلقى على كراسيهم ومنهم من ألقى بنفسه فوق حقائبه ومنهم من افترش الأرض وقليل منهم من وجد سريرا ، يا لها من فرصة سانحة لحصاد عظيم لو أن قذيفة أو صاروخا يسقط وسط هذه الجموع من القتلة والذين يمكن رؤية الدم يقطر من بين أصابعهم ، ونحن في هذه الخواطر وإذا بالسرجنت واتسون يبلغنا بأن السفرة تأجلت إلى الغد وبدم بارد كما يقتل الأمريكيون ضحاياهم قال لنا عودوا إلى بيتكم وتعالوا غدا صباحا ، هنا تصطك المشاعر مع بعضها بقوة وتبعث أنينا مكبوتا لهذه الاستهانة بقيمة الإنسان والوقت ، لم يعتذر عن هذا التأخير ولو أنه غير مسؤول عنه ، لكننا افترضنا أن الأمريكي يحمل قليلا من الذوق كي يعتذر ولكن كيف جاز لي أن افكر بهذا والأمريكي هو الذي حمل آخر ما في ماكنته الحربية من أسلحة دمار ليجربها فوق رؤوس العراقيين دون نقد من المنظمات المعنية ولو على استحياء ، فأمريكا فوق القانون الدولي وفوق ميثاق الأمم المتحدة وفوق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان . كان علينا أن نجتاز طريق المطار مرتين اضافيتين ، ولهذا غادرنا المطار واتصلنا بالمنزل كي تحضر السيارة لأخذنا ، ولم يطل انتظارنا ورجعنا إلى المنزل على أمل العودة إلى المطار في الغد وهذا ما كان ، وفي اليوم التالي أي يوم الأربعاء 29 / 12 تكرر الانتظار عند نقاط التفتيش ولكن بصورة أسرع لأن الحقائب بقيت في المطار وربما حصل الأمريكيون على اطمئنان أكبر على محتوياتها ، ومضينا إلى نفس الأماكن التي كنا قد مررنا بها قبل أربع وعشرين ساعة . لا أحد يعرف موعد اقلاع الطائرة ، والجنود الذي ألقوا بأنفسهم بهذه الطريقة لو لم يكونوا قد وصل الحد الأخير من طاقتهم في مواجهة الموت والخوف منه مما منعهم من النوم أيام وليالي كانت لحظة نوم تساوي العمر كله ، نحن أكثر الناس طمأنينة وسط هذا الحشد المرتعب ، كنا نتلفت وندعو بضراعة أن يزداد عدد قتلى من عبر المحيطات والبحار ليقتل العراقيين ويدمر بلدهم استجابة لأكاذيب خونة لم يحترمهم أحد لا الأمس ولا اليوم ولا غدا ، وسيرجمهم الناس كما يرجم الحجيج موضع أبي رغال . الطائرة ستقلع في الواحدة والنصف ، هكذا قال واتسون ، وقف البعض وظل البعض نائما ، فالطائرات العسكرية الأمريكية تقلع من مطار بغداد باتجاهات مختلفة ، ولكن الموعد تأجل إلى الثانية والنصف بعد الظهر ، ولكنها لم تقلع إلا في الثالثة والنصف وكانت أربعة انفجارات متوسطة قد هزت منطقة المطار دون أن نتبين موضعها أو ما تركته من آثار ، بدأنا التوجه إلى الطائرة المتوجهة إلى عمان هذه المرة والطائرة تسير على مدرج الاقلاع توقفت على الحركة فجأة ودوى انفجار هائل أوشك أن يقتلع الطائرة الضخمة وهي من طراز C130 ثم سارعت للإقلاع وإذا بعمود دخان أسود يرتفع في السماء وكأنه ثمرة الفطر ، وبدأت طيرانها اللولبي فوق المطار ثم أفلتت من جاذبيته باتجاه الغرب ، أحسسنا أننا نقترب رويدا من الفلوجة لأن الطائرة أخذت ترتفع بصورة غير متوقعة وغير معهودة ، ربما وصل قائدها انذار بأن الخطر على الطائرة لا يقتصر على الأرض أو في منطقة المطار وإنما فوق سماء الفلوجة المدينة التي مزقت أرتال الجيش الأمريكي وأوصلته إلى سن اليأس المبكر وأوشك أن تدمر حلمهم لولا خيانة الصحوات ، وفي خطوة قلقة جاء جندي يحمل مصباحا يدويا بعد أن نقل له الآخرون أن رائحة حريق قد شمها بعضهم في الأسلاك الكهربائية المخفية وراء جدرانها ، وبعد فحص دقيق أعطى إشارة الاطمئنان للركاب . متى تنتهي متاعبنا نحن الباحثين عن الحقيقة والعدالة في بلد الظلم ؟ بعد رحلة استغرقت ساعتين بدأت الطائرة بالهبوط في مطار ماركا في عمان عاصمة الأردن ، وبعد أن استقرت بنا الطائرة وانتقلنا إلى الصالة بدأت عمليات تفتيش الحقائب المرافقة ، شك أحد رجال الكمارك الأردنية بإحدى حقائب الجنود وأمره بفتحها وإذا به يحمل الكثير من القطع النحاسية أو المذهبة من قصر الفاو ولم يكن هذا الجندي وحده من يحمل مثل هذه القطع ولكنه كان أكثر جشعا وطمعا ، وبعد مداولات واتصالات تمت تسوية الأمر وكأن شيئا لم يكن ، ثم وجدنا شخصا أردنيا يعمل مستخدما محليا في السفارة الأمريكية في عمان بانتظارنا وهو يحمل لافتة كتبت عليها أسماؤنا باللغة الانكليزية ، وأخنا إلى فندق عالية وهو قريب من مطار الملكة علياء الدولي وربما تعود ملكيته لشركة الخطوط الملكية الأردنية عالية ، وتوزعنا على الغرف وبعد استراحة قصيرة وأخذ حمام ساخن نزلنا إلى المطعم لتناول طعام العشاء ، كان علينا أن نبيت ليلتنا مبكرين كي ننهض مبكرين ، فالسيارة ستحضر في الثامنة صباحا والطائرة ستقلع في العاشرة والدقيقة الأربعين من يوم الخميس 30 / 12 باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية . استيقظنا مبكرين ومضينا إلى المطعم لتناول طعام الفطور بعد ان حزمنا حقائبنا ، وجاءتنا السيارة في الثامنة صباحا ومضينا إلى مطار الملكة علياء الدولي على أمل أن تقلع بنا طائرة الخطوط الجوية الملكية الأردنية عالية في الساعة العاشرة والدقيقة الأربعين ، ولكننا علمنا بأن موعد إقلاع الطائرة قد تأخر ساعة واحدة على الأقل على عادة كل خطوط العالم الثالث الجوية دون ابداء السبب . في مواضع كثيرة من المطار شاهدت طائرات الخطوط الجوية العراقية ذات اللون الأخضر جاثمة على أرض المطار وكان العراق قد أخرجها من اراضيه قبيل العدوان الأمريكي عام 1991 ولكنها بالنتيجة تعرضت للموت البطيء تماما كما لو أنها ضربت بقذيفة قتلتها على الفور كانت الطائرات كلها من نوع بوينغ ومن حجوم مختلفة فهناك الجمبو وهي طائرة بوينغ 747 ، وهناك بوينغ 707 وهناك من 737 و727 وهي تحكي قصة مأساة أكثر الخطوط الجوية في العالم أمانا في طيرانها لدقة الصيانة الدورية ومهارة الطيارين العراقيين ، ولكنها وقد تحولت محركاتها إلى اعشاش للطيور لا بد أن تستدعي دمعة حزن وألم على ما آل إليه وضعها ووضع العراق بسبب الحصار الاقتصادي والعدوان الثلاثيني ومحاولات إذلال العراقيين والنيل من إبائهم وشموخهم ومنع طائرهم الأخضر من التحليق ، لم أطل النظر إلى تلك الطائرات الموزعة على المزاغل المفضية إلى مدارج المطار ، فلم أرغب برؤية شيء عراقي تعمد البعض على إذلاله حتى ولو كانت طائرة مصنوعة في البلد الذي جيش جيوشه لتدمير اسم العراق وحضارته وتاريخه وحذف اسمه من الخارطة تحت عنوان الديمقراطية وحقوق الإنسان والفدراليات ذلك المشروع الانفصالي اللئيم الذي يريد تهديم أعلى سياج عربي وتشتيت قوته ، دلفنا إلى صالة المطار وبعد وزن الحقائب والاجراءات الأمنية الدقيقة لفحص محتوياتها بأجهزة السونار ، وتأشير تذاكر السفر مضينا إلى كابينة شرطة الجوازات والذين دققوا مطولا في سلامة تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة ، حينما مررنا عبر البوابة المؤدية إلى الطائرة خضعنا لتفتيش دقيق جدا فنحن ذاهبون إلى زعيمة العالم الحر والتي كانت ما تزال تعيش أكبر كابوس مرعب في حياتها اسمه الارهاب منذ أحداث 11 / 9 / 2001 ، والذي صنعته سياساتها العدوانية على كل شعوب الأرض حتى بات الأمريكي رديفا للون الدم وعنوانا للتعذيب والقتل وكأنه حادلة تريد سحق كل ما يقف في طريقها ، مررنا سريعا إلى الطائرة التي كانت من نوع أير باص 340 بأربعة محركات وهي الطائرة المخصصة للرحلات الطويلة ، وفي الساعة الثانية عشرة والدقيقة الأربعين بتوقيت مكة المكرمة وبغداد تحركت الطائرة نحو مدرج الإقلاع ، وبدأ قائدها بقراءة دعاء السفر والذي بعث في النفوس طمأنينة كبيرة ، وقال قائد الطائرة إن الرحلة ستستغرق من عمان إلى شيكاغو حوالي أربع عشرة ساعة دون توقف ، السفرة طويلة ولكن مقاعد الطائرة متقاربة على نحو يبعث على تعب وارهاق شديدين ، تم إنزال شاشات الطائرة التي ستعرض أفلاما أو رصدا لسرعة الطائرة وارتفاعها عن مستوى سطح البحر ودرجة الحرارة خارج الطائرة ، وعلى الرغم من طول الرحلة فإن الشركة الناقلة لم توفر ما يكفي من زاد الطريق فالطعام قليل جدا حتى أن الطائرة التي كان حوالي ثلث ركابها من الأطفال الصغار ، كانوا يلحون على آبائهم أو امهاتهم طلب المزيد من الطعام ولكنهم لم يحصلوا على شيء أبدا ، وهذا ما زاد من مستوى الضجيج داخل الطائرة ليضاف إلى صوت محركاتها الذي لم تتمكن تدابير العزل من منع وصوله إلينا بقوة ، ولم نتمكن من النوم ليلتها على كراهة مع أن التعب والنعاس كانا رفيقين معنا في عبور المحيط الأطلسي . كان أعلى ارتفاع حلقت الطائرة فيه اثني عشر كيلومترا ، وكانت درجة الحرارة عند أدنى مستوى لها وهو 71 مئوية تحت الصفر ، ووصلت سرعتها في بعض الأحيان 880 كم ، وأخيرا وبعد انتهاء وقت الرحلة بدأت الطائرة بالهبوط التدريجي في مطار شيكاغو في الثانية وعشرين دقيقة فجر يوم الجمعة 31 / 12 / 2004 بتوقيت مكة المكرمة ، وبعد توقف الطائرة ونزولنا منها توجهنا إلى صالة الأمتعة ، ولكننا لم نجد حقيبة مروان ، سألنها عنها ولكننا لم نجد جوابا شافيا واستذكرنا الساعة التي غادرنا فيها مطار عمان ، كانت حقيبة مروان متوسطة الحجم ويمكن حملها باليد ، ولكن نقطة التفتيش الأردنية رفضت السماح له بحملها معه داخل الطائرة ، ولهذا أنزلوها منه ووعدوا بإرسالها مع بقية الحقائب ولكنهم لم يفوا بوعدهم لأنهم ارتابوا أصلا بالأسباب التي دعت مروان إلى حملها معه وعدم وضعها مع حقائبنا ولذا وجدنا أن علاج الأمر يتطلب توفير ملابس بديلة لمروان لحين معرفة مصير حقيبته ، وفي مطار شيكاغو كان علينا الانتظار عدة ساعات لنغادر إلى أوستن بطائرة أمريكية ، اللافت أن معظم الطائرات العاملة على الخطوط المحلية في الولايات المتحدة هي من الطائرات المروحية الخفيفة والتي لم تحذف من الخدمة ، ويعكس طياروها طبيعة الكاوبوي الأمريكية المغامرة أثناء الإقلاع والطيران وبخاصة أثناء الهبوط ، لقد تعودنا مع طياري الخطوط الجوية العراقية أن الطائرة حين تهبط فإن الركاب لا يشعرون بذلك لولا مشاهدتهم لمدرج المطار ، غير أن الطائرات ذات المروحتين التي تنقلنا فيها بين المدن الأمريكية انها كانت تسقط ككرة من الهواء وتتقافز على المدرج عدة مرات قبل أن تأخذ مسارا عاديا على المدرج حتى تتوقف مما يعكس استهانة الطيارين الأمريكان بحياة الركاب وربما هو تعبير عن الحنق على أنهم ما زالوا يعملون على طائرات قديمة ومتخلفة بالمقاييس المعتمدة في عالم الطيران ، حقا لم أكن لأتصور أنني سأرى هذا النوع من الطائرات المروحية في الولايات المتحدة وهي التي تنتج أحدث الطائرات النفاثة في العالم ولكنني حينما رأيتها وجدت تفسيرا لجشع الشركات فهي تريد استنزاف عمر هذه الطائرات حتى الساعة الأخيرة من عمرها الافتراضي ، وهي على العموم ذات كلف تشغيلية أقل من الطائرات النفاثة وهي طائرات لا تلقى منافسة في داخل البلاد وهي تستخدم للخطوط القريبة وربما أسعار تذاكرها أرخص من أسعار تذاكر الطائرات النفاثة ، وأخيرا وفي الثامنة وعشر دقائق بتوقيت مكة المكرمة أيضا من صباح السبت أخذنا طائرة أمريكان أير لاين في سفرة إلى أوستن حيث وصلناها بعد ساعتين ونصف وكانت الساعة تشير إلى الواحدة وأربعين دقيقة من فجر الجمعة بالتوقيت المحلي ، علما بأن فرق الوقت بين أوستن ومكة المكرمة هو ثماني ساعات ، وجدنا سيارة عسكرية بانتظارنا في المطار وكان هناك مترجم اسمه ولسون بانتظارنا مع سيارة وبعد استكمال الاجراءات تحركنا صوب قاعدة فورت هود العسكرية واستغرقت الرحلة بالسيارة من مطار أوستن إلى القاعدة أكثر من ساعتين ، وبعد سفر بين مطار وآخر واستغرق حوالي أربع وعشرين ساعة وجدنا أن التعب حد الارهاق قد انتزع قدرتنا على المطاولة وألقى كل منا نفسه على الفراش كجثة لا تعي ما حولها بانتظار الخطوة التالية ولكن صفارات سيارات الاسعاف والاطفاء أفسدت علينا نوما نحن بأمس الحاجة إليه إذ كانت السيارات تزعق بلا توقف ليلة رأس السنة دون أن نتبين سببا محددا لذلك خرجنا من شققنا إلى الواجهة الأمامية وإذا بألسنة اللهب ترتفع عاليا في سماء مدينة كلين المجاورة لقاعدة فورت هود وتحركت فينا الرغبة في معرفة ما يحصل هنا وكيف تتم معالجته ، كنا نحمل عليه غيضا كبيرا بقدر ما نقدر دوره في النهضة الحديثة في مجالات العلوم والتكنولوجيا ، إننا نكرهه لأنه يسير في تدمير القيم الإنسانية بسرعة إلى الوراء تفوق سرعته في التطور التكنولوجي وربما لم نشعر بأسى للخسائر التي يتكبدها ومن أين يكون مصدرها ، صحيح قد يكون في هذا النمط من التفكير تعبيرا عن عجز ، ولكن الصحيح أن العراقيين لم يألوا جهدا في تحجيم دور أمريكا في العالم وتقزيمها ومع ذلك فأكفهم بالضراعة إلى الله سبحانه أن ينتقم ممن كان سببا في ما لحق بهم من موت ودمار على يد الجيش الأمريكي الذي نقيم الآن في أكبر قاعدة برية له في العالم على كثرة ما يمتلك من قواعد منتشرة على طول الكرة الأرضية وعرضها . كما قلت كان هذا هو اليوم الأخير من عام 2004 ، وكان علينا انتظار انتهاء عطلة نهاية الأسبوع التي تزامنت مع عطلة نهاية العام حيث ستصاب الحياة بالشلل التام ، وسنبقى ننتظر بداية الأسبوع الجديد كي نشهد انعقاد جلسة المحكمة وحينها سنعرف أين وصلنا بعد كل هذا الجهد الشاق الذي بذلناه خلال عام كامل دون أن تلوح حتى الآن بوادر تطبيق العدالة الأمريكية التي رأيناه كثيرا في الأفلام ولم نجد لها أثرا على الأرض في العراق وقبله في فيتنام وبعد فيتنام أفغانستان وما رافق تطبيقات العدالة الأمريكية المعصوبة الأعين في غوانتانامو وأبو غريب ، وما يجري في فلسطين ومع شعبها بدعم ومظلة أمريكية بالمال والسلاح والإعلام أو صمت أمريكي حتى تجددت الأسئلة القديمة ترتفع من جديد كلما أصابنا كدول وشعوب أو كأفراد بعضا من بركات الديمقراطية الأمريكية خصوصا والغربية عموما ، هل أن الديمقراطية المصممة على مقاسات الغرب يراد اقحامها على مجتمعاتنا بقوة السلاح أم ان الديمقراطية أغنية جميلة للأمسيات الملونة من غير المتاح نقلها لبلداننا من الناحية العملية ؟ وما قيمة الديمقراطية دون احترام حقيقي لحقوق الإنسان ومراقبة دقيقة لتطبيقاتها على الجميع من قبل المنظمات الدولية والإنسانية والدول الضامنة لها ؟ هي أسئلة لا يمكن أن نعثر لها على جواب بين ما خلفته حروب الغرب العدوانية على الدول النامية والعالم الثالث ، في سفرتنا الماضية طلب منا المترجم اللبناني الأصل إبراهيم حسين تمرا من العراق ، جلبنا له كمية منه وسألنا عنه ولكن أحدا لم يعط جوابا عن مكان وجوده بل أن البعض أنكر معرفته به ، نحن لسنا بحاجة إليه ولكنه طلب بلسانه تمرا عراقيا ولما كان طبعنا نحن العراقيين الكرم فقد وجدنا أن طلبه يجب أن نؤمنه له ، كان رقم تلفونه مسجلا عندي وطلبت من أحد المترجمين الاتصال به في البداية حاول أن يتخلص من هذا الحرج ولكنني قلت له بشكل قاطع من غير الممكن أنك نسيتنا ونحن كنا هنا منذ شهرين فقط ، أخبرته بأننا جلبنا له التمر ، شكرني على ذلك ووعد بأنه سوف يأتي لرؤيتنا وأخذ التمر ، ولكنه لم يفعل وقدرت أنه محرج لأن أصله عربي ولا يرد أن يضع نفسه في موضع الشبهة ولهذا لم نره أبدا وأعطينا التمر لعاملة النظافة التي قالت إنها تحب التمر كثيرا . في تلك الأيام ضرب إندونيسيا مد بحري هائل ( تسونامي ) أعقب زلزالا هائلا في المحيط الهادي وقتل مئات الآلاف وشرد الملايين وكان أسوأ كارثة طبيعية مسجلة حتى ذلك الوقت ، ولم نمنع أنفسنا من التمني لو ان أمريكا هي التي ضربت بتسونامي انتقاما لكل الضحايا الذين سقطوا نتيجة جرائمها في شتى أرجاء العالم ، ولكن الأمنيات تدور في مكانها داخل الرؤوس الحالمة والنفوس الضعيفة التي تريد أن تنوب عنها في استرداد حقوقها قوى الغيب ، أو تبقى تسبح في فضاء الكون الرحيب ولا تنتقل إلى الأرض لأن الله سبحانه وتعالي يمد بالعون والمدد من يقف إلى جانب نفسه ويتصدى لمن يعتدي على حومته وحرماته ، وخلال أيام العطلة كنا نقضي وقتنا في متابعة التلفزيون والذي لم تكن لديه قضية إلا تسونامي ، ولأننا كنا نجلب احتياجاتنا الغذائية من أسواق قريبة فقد كنا مضطرين لإعادة تسخينها في فرن كهربائي من نوع مايكروويف ، وفي اليوم التالي وإذ كنا قد وضعنا الخبز في الفرن وانشغلنا عنه قليلا ، فإذا بالدخان يتصاعد من الفرن فبادرنا من فورنا قطع التيار الكهربائي عنه ، ولكن صافرة انذار منصوبة داخل الشقة تحسست من الدخان وسبقتنا فبدأت تطلق صفيرا في أنحاء المعسكر وما هي إلا دقائق حتى كانت سيارات الشرطة تصطف على مقربة من شقتنا ، وكانت عاملة الخدمة قد وصلت قبل سيارات الشرطة ( كما في معظم الأفلام الأمريكية التي تصل الشرطة فيها بعد أن تنتفي أسباب قدومها ) واطمأنت العاملة إلى أن الأمر أصبح تحت السيطرة فاتصلت الجهات المعنية وأبلغتهم بذلك فانسحبت الشرطة من المكان بعد وقت عشنا فيه على أعصابنا ، فنحن عراقيون وجئنا لمتابعة قضية شائكة وحادث كهذا يمكن أن يفسر ضدنا من قبل أجهزة بلد تبحث عن الأدلة بعد أن أصدرت حكمها ، على كل حال الحمد لله انتهت المشكلة وعدنا إلى تفاصيل حياتنا اليومية انتظارا ليوم الاثنين ، غير أن مترجمة اسمها سيرا جاءتنا لتبلغنا أنها مكلفة بمرافقتنا والترجمة لنا طيلة مكوثنا هناك وقالت بأن المحكمة ستعقد جلساتها يوم الثلاثاء 4 / 1 / 2005 ، هذا يوم تأخير آخر ولكن علينا أن نتعامل مع التقاليد السائدة في العالم المسيحي في الاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة فنحن الآن في بلادهم وليس أمامنا إلا انتظار جلسة الثلاثاء ، ومعنى ذلك أننا لن نستطيع مبارحة المعسكر إلا بإذن رسمي ومع المترجم . مرة كنا في أحد مراكز التسويق الكبيرة في مدينة كلين والقريبة من القاعدة ، جاءنا أكثر من مواطن أمريكي ليعبر عن تعاطفه مع قضيتنا المعروضة على المحكمة وكان بعضهم ساخطا على ما ارتكبه الجنود وقالوا إنهم كانوا يتابعون المحاكمة عن طريق الصحافة ، تساءلت في نفسي لماذا يكون الفرد الغربي انسانيا في مشاعره وسلوكه حينما لا يكون مسؤولا أم أنه ممثل بارع عندما يؤدي هذا الدور ؟ ولماذا ينزع عنه كل هذه المشاعر عندما يحتل موقعا حتى لو كان هامشيا في سلك الخدمة العامة ؟ هل يتحرك بآلية عمياء يفقد فيها كل ما يمت إلى ما يميز البشر عن سائر المخلوقات ؟ وانتهت عطلة الأعياد والتي ما وجدنا أنفسنا نرغب بنهايتها بأسرع وقت كما يحصل هذه المرة ، في الساعة الثامنة صباحا من يوم الثلاثاء 4 / 1 / 2005 انتقلنا إلى مبنى المحكمة الذي لم يكن بعيدا عن سكننا وأجلسنا في إحدى غرف المحكمة ، وقالت لنا المترجمة إن المحكمة تستمع الآن لشهادات الجنود الأمريكيين أنفسهم ، وعلمنا أنهم لم يتمكنوا من بلورة موقف موحد بشأن القصة التي سيقدمونها أمام المحكمة ، ونتيجة استيقاظ ضمير أحد الجنود فقد اعترف بأن الجريمة وقعت حقا وبالتفاصيل التي سبق لنا وأن قدمناها للمحكمة ولأنهم وأثناء الخدمة وتحت القسم فإن من غير الممكن أن يتواطأ جميع من شهد الواقعة على سرد قصة مغايرة لما جرى لمجرد أن أمرهم العسكري يرغب في ذلك ، وقد علمنا أن الملازم الأول جاك سافيل قد حاول عرقلة سير المحاكمة بما يؤمن ابعاد المسؤولية الجنائية عنه وعن الدورية التي نفذت جريمة القتل ، ورفعت الجلسة على إلى الغد . وفي العاشرة صباحا من يوم الأربعاء 5 / 1 عقدت المحكمة جلستها الثانية برئاسة قاضي المحكمة ( الكولونيل ) العقيد تيودور ديسكن ، حينما حضرنا إلى قاعة المحكمة حضر صحفيون محليون من ولاية تكساس للصحف المطبوعة والتلفزيون والإذاعة ، وقد سبقتنا القضية إلى الصحافة مما ساعد على أن تكون الصورة متاحة أمام مواطني مدينة أوستن وولاية تكساس حتى بفرض أن ذلك لن يضيف لنا شيئا ولن يغير من نتائج المحاكمة فإنه كان يبعث في نفوسنا قليلا من الارتياح ، كانت الجلسة منصبة على دور العريف تريسي بيركنز الذي قام بتنفيذ أمر الملازم الأول سافيل بإلقاء زيدون ومروان في بوابة الثرثار ، تم استدعاء مروان للشهادة واستغرقت شهادته ساعتين وربع وسرد القصة كاملة كما وقعت ليلة ارتكاب الجريمة وحينما سأله القاضي عن أسباب نجاته ومقتل زيدون فأجاب بأنه كمسلم يؤمن بأن إرادة الله هي وحدها التي تتغلب على إرادات خلقه ، وحاولت هيئة المحكمة ايجاد ثغرة تتمكن من توظيفها لغلق القضية ، ولكنها لم تنجح ، ليس بسبب قدرته على التفوق على رجال مدربين ومتمرسين وإنما لسبب واحد وهو أنه تمسك بقول الحق وكان صادقا مع نفسه وفي كل ما كان يدلي به من أقوال عايشها قبل عام بالضبط وتعايشت معه في عقله وقلبه وضميره ، فالصدق أقوى الأدلة ولن تنفع معه مهارات القضاة والمحامين وخبراء القانون ، وناقش محامو المتهمين مروان بشأن ما جاء في إفادته وسألاه عن موقفه مما أسمياه بالوجود الأمريكي في العراق فقال لهم إن الاحتلال مرفوض من كل شعوب العالم ولا أظنكم تقبلون أن يحتل بلدكم ، وحينما سألوه عن موقفه من المقاومة والتي أطلقا عليها اسم الارهاب قال أنا أؤيدها ، ودون ابطاء سألاه هل تؤيدها أم تدعمها ؟ كنا قد تناقشنا في احتمال طرح هذا السؤال أو أسئلة قريبة منه ، وأكدت على مروان مرارا على أن يعلن عن تأييده للمقاومة ولا يتحدث عن دعم أو اسناد ، لأن المحاميين يبحثان عن ثغرة تساعد على تبرأة القتلة من خلال الزعم بأن مروان وزيدون ارهابيان وأن الحادث كان وقائيا أو دفاعا عن النفس خاصة بعد أن انهارت كل محاولات نفي وقوع الجريمة ، خرج مروان وهو راض عن أدائه أمام المحكمة إذ ربما توقع البعض من هيئة المحكمة المنحازة إلى الجنود الأمريكان باعتبارهم مواطنين يدافعون عن المصالح العليا للولايات المتحدة ويعرضون أنفسهم لأخطار جدية بما فيها الموت ، وبالتالي فإن البحث عن مسالك تخفف عن أولئك الجنود يتقدم على البحث عن الحقيقة الواضحة أمام الجميع ولكن تحاول إلقاء أغطية فوقها لطمس معالمها دفاعا عن ( أبناء الوطن ) بوجه إرهابيين لم يكتفوا بمقالتهم في العراق بل تواقحوا كثيرا حينما جاءونا باحثين عن إيقاع العقوبة بأبنائنا على الرغم من أن الحرب هي وعاء مشروع للموت ، كنا نلاحظ أن القضاة وهيئة المحلفين منقسمون على أنفسهم في معاقبة أمريكي بسبب قتله عراقيا ، وبين ارسال رسالة تتناغم مع مزاعم البيت الأبيض والخارجية الأمريكية في الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية المحلقة فوق أجنحة الصواريخ العابرة للقارات . بعد ذلك استدعت هيئة المحكمة مأمون والد الشهيد زيدون للإدلاء بشهاد\ته ، كانت الأسئلة تتمحور حول قضية هدفها التشكيك بأن الجثمان الذي تم دفنه هو لزيدون ، هل أنت متأكد من أن الذي دفنتموه هو ابنك زيدون ؟ أي عقلية هذه التي تختفي تحت رؤوس هؤلاء ؟ هل يظنون أن كل ما في أمريكا يستأهل أن نختلق قصة ونزعم فيها موت ولدنا لمجرد أن نخوض هذا الجدل السقيم ؟ يمكن أن يكونوا على استعداد ليفعلوا ذلك ، ولكن هل من حق القاضي أي قاض أن يوجه أسئلة مستلة من تقاليد بيئته ويسقطها على بيئة شاهد جاء من آلاف الكيلومترات باحثا عن العدالة والانتصاف لنفسه ، حسنا قال القاضي لكي نتأكد أن زيدون هو الذي تم دفنه فهل تسمحون بفتح القبر وجلب الجثمان إلى الولايات المتحدة لتشريحه في مختبرات لا تتوفر لا في العراق ولا في المستشفيات التي أقامها الجيش الأمريكي في بلدكم وكي نتأكد من أنه مات غرقا وربما نجد علامة تؤكد لنا أنه دفع بالقوة إلى الماء ، يا ابن اللئيمة ، ترى أي مشورة خبيثة وصلتك وتعرف أن المسلمين لا يسمحون بفتح قبور موتاهم ، قال لهم مأمون نحن لا نستطيع ذلك إلا بعد العودة إلى علماء الدين عندنا وأعدكم بأنني سأبذل جهدي للحصول على فتوى في هذا الشأن ، وطلب محامو المتهمين الحديث ، سأل أحدهم وبطريقة استفزازية ، ماذا تتمنى أن تفعل بمن قتل ولدك لو كان موجودا هنا ، أجاب مأمون أولا اخبرني إن كان القاتل موجودا هنا وقل من هو وأنا على استعداد للإجابة ، أما إذا كان السؤال مجرد سؤال افتراضي فلست على استعداد للإجابة على الأسئلة الافتراضية، سأل محام آخر وبنبرة أكثر عدوانية ، كم مرة شارك ولدك في توجيه ضربات للقوات الأمريكية في العراق ؟ يا له من سؤال تحريضي علينا ، المهم وبهدوء طلب مأمون من القاضي أن يأمر المحامين بالكف عن مثل هذه الأسئلة التي لا صلة لها بالقضية ، فزيدون لم يسقط في اشتباك وإنما قتل بعد القاء القبض عليه بتهمة مخالفته لقانون حظر التجول ، وعلى الرغم من أن هذه التهمة باطلة إلا أن مخالفة القانون لا تعالج بالقتل وإنما بالتدرج بالعقوبات على وفق نصوص القانون المعمول به ، استجاب القاضي لطلب مأمون الذي تعلمناه من مشاهدة الأفلام الأمريكية التي تعرض قضايا التحقيقات والمحاكم ، ولكن المحامي لم ييأس من امكانية استدراج مأمون لموقف منفعل قد ينفع في رسم صورة تساعد على اعطاء تصور عن الموقف السياسي لعائلة زيدون ، وكأن المطلوب أن يتجرد العراقي عن عراقيته ليرضي هيئة المحكمة والمحامين والشعب الأمريكي ، فأجاب مأمون بشكل قاطع أنه كعراقي لا يمكن أن يقبل باحتلال بلده من أي طرف كان ، وبالتالي فهو ضد الاحتلال ويؤيد مقاومته من أي طرف جاءت هذه المقاومة . وسرعان ما خرج المحاميان وهما على درجة عالية من الارتياح لأنهما على وفق ما ذكرا ، نجحا في إقناع هيئة المحكمة بتطابق مسلسل الأحداث يوم ارتكاب الجريمة مع شهادة مروان، سألتهما عما إذا كانا محاميين فنفيا ذلك وقالا أنهما يتدربان على العمل القانوني من أجل الحصول على منحة من الجيش لدراسة القانون في احدى الجامعات ومن المعروف أن الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة باهظة التكاليف ولا يستطيع كل مواطن الحصول على مقعد دراسي في الجامعة إلا إذا كان أهله على استعداد أن يتخلوا عن الكثير من الاحتياجات الاساسية في حياتهم من أجل أن يكمل ولدهم دراسته الجامعية ، كان المترجم القانوني المصري مروان عبد الرحمن حاضرا في المحكمة ولكننا لم نره بعد ذلك فقد طار إلى مقر عمله في نيويورك ، في اليوم التالي صدرت الصحف المحلية وهي تحمل صورنا أنا ومأمون ومروان ونحن نخرج من قاعة المحكمة ، وكنا في غرفة المحامين التقينا بالمحاميين اللذين عينتهما لنا المحكمة وجرى حديث طويل بشأن تفاصيل الحادث وقدم المحاميان لنا نفسيهما على أنهما يسعيان لإحقاق الحق ومعاقبة الجاني أيا كان ، وكانا قد طلبا من مروان مرارا وتكرارا سرد تفاصيل القصة ، واستفسرا عن جزئيات صغيرة ، لا ندري هل هما على استعداد لإدانة مواطن أمريكي وينتمي إلى المؤسسة العسكرية التي ينتميان إليها ، ساورتني شكوك كثيرة ورأيت أنهما يؤديان دورا مرسوما كجزء من المسرحية الكاملة من أجل إسدال الستار على فصلها الأخير، وبدا لي أنهما ومن خلال انتحال صفة المدافع عن قضيتنا يحاولان العثور على ثغرة تمنح من ارتكب الجريمة حكما بالبراءة ، وربما يكونان صادقين ولكننا وبسبب مرارة الاحتلال وجرائمه المروعة لم نعد نثق بوجود أمريكي واحد يتعاطف مع القضايا الإنسانية ونتصور كل من يفعل ذلك إنما يؤدي دوره في مسرحية لن تستمر طويلا . رفعت المحكمة جلستها الثانية بعد أن استمعت لإفادات جميع أطراف الدعوى إلى موعد يحدد لاحقا لإصدار قرار الحكم ، حينما سألنا عن تاريخ انعقاد جلسة النطق بالحكم قالوا سنبلغكم في حينه ، وسألنا هل سنبقى هنا لحين صدور الحكم ؟ لم نحصل على جواب ، وبقينا نلح على عدم البقاء لأننا لا نرى مبررا لبقائنا هنا لزمن أكثر مما تتطلبه جلسات المحكمة ، اتصل بنا واتسون وقال حسنا سنغادر قريبا بعد أن نكمل تدابير الحجز على الطائرة ، هل مر على أحد حال انتظار مفتوح الزمن ؟ وماذا ترانا سنفعل في هذه القاعدة العسكرية المغلقة ، هل نمارس رياضة المشي في طرقاتها ؟ أم نظل على حالنا في غرفنا لمشاهدة التلفزيون الذي لا هم له إلا ملاحقة تسونامي إندونيسيا ؟ دون سابق إنذار ودون أن نعرف تفاصيل ما جرى ودون أن ندعى لحضور جلسة النطق بالحكم أصدرت محكمة فورت هود العسكرية حكما على السرجنت ترسي بيركنز حكما الحبس ستة شهور وحرمانه من حقوقه التي ضمنها له القانون العسكري الأمريكي ، مر الحكم دون أن نعلم به من أي مصدر ، ولكن ظل جرس التلفون يضرب بلا توقف من لندن بعد أن أذاعت الخبر شبكة CNN وبتفصيل عن ملابسات القضية وظروفها ، فقد اتصل بي كل من الأصدقاء أسامة الصالحي وماجد السامرائي وهرون محمد وسيف الدوري ، كما اتصل بي الصديق صباح البازي من بغداد وهو مراسل وكالة رويترز ، وأطلعني الجميع على حيثيات الحكم ، دهشنا من هذا التطور والحكم المثير للسخرية والحزن في وقت واحد ، وطلبت من الأصدقاء الذين اتصلوا متابعة الموضوع سواء بمعرفة التفاصيل أو الحديث عن هذا القرار الجائر ، قتل مواطن بدم بارد يعاقب من ارتكبه بالحبس ستة أشهر ، يا لها من عدالة دولة فجرت رؤوسنا من كثرة ضجيجها عن حقوق الإنسان وحكم القانون ، تحدث لقناة ANN ، عن هذا الحكم البائس وطالبت بالضغط على الإدارة الأمريكية من أجل أن تؤكد مصداقيتها فيما تطرحه من شعارات ، نحن نعرف أن هذا غير ممكن أصلا ولكن كنا نريد أن نفضح أمريكا أمام الرأي العام العالمي ونحاول أن نوجه رسالة إلى الشعب الأمريكي ، في اليوم التالي جاءنا أحد المحامين وكان مرتاحا لقرار الحكم واستغرب أننا كنا غاضبين جدا ، حاول التخفيف عنا فقال ( هل تعلمون ماذا يعني حكما بالحبس ومهما كانت مدته على عسكري ؟ وهل تعلمون أن القرار حطم حياة بيركنز؟ وهل تعلمون أنه حرم تماما من كل حقوقه التي كفلها له القانون العسكري ؟ وهل تعلمون أن هذا العسكري بعد خروجه من السجن سوف يجد صعوبة في الاندماج بالمجتمع ؟ ) ، ما أكثر التساؤلات التي طرحها المحامي عن المستقبل المظلم لكل من يتعرض لحكم قضائي وخاصة من القضاء العسكري ، ولكن ذلك ليس هو ما كنا نريد ، نعم لم نكن نتوقع حكما بالإعدام على القتلة ، ولم نكن نتوقع حكما بالمؤبد ولكننا كنا نتطلع إلى حدث مهما صغر شأنه ليؤكد مصداقية العدالة الأمريكية ولكن الحماقة الأمريكية تأبى إلا أن نعزز من قناعتنا الراسخة بأن أمريكا كيان متجبر وغاشم في عدوانيته وأنه يستحق ما يلقاه من كراهية من شعوب الأرض ، لم نقتنع بقرار الحكم ولم نقتنع بمحاولات تسويقه من قبل المحامي ، ولهذا أعددت لائحة لاستئناف قرار الحكم ودفعته إلى المترجم والذي رفعه بدوره إلى هيئة المحكمة ، مع أننا كنا على يقين بأن قرار الحكم قطعي ولن يتغير وإذا أريد له أن يتغير فربما سيذهب للتخفيف وليس التشديد ، وتم إبلاغنا بأن علينا الانتظار لعدة أسابيع والمجيء مرة أخرى إلى الولايات المتحدة لحضور محاكمة الملازم الأول جاك سافيل الذي أصدر أمره برمي مروان وزيدون في الماء . يوم الأحد 9 / 1 / 2005 أبلغنا السرجنت واتسون بأننا سنغادر في طريق عودتنا إلى العراق ، جاءنا واتسون صباح الاثنين ونقلنا إلى مطار مدينة كلين القريبة من فورت هود ، حيث أخذنا طائرة صغيرة كالعادة لتأخذنا إلى مدينة مطار دالاس عاصمة ولاية تكساس والذي وصلناه بعد طيران استغرق خمسا وثلاثين دقيقة ، وتنقلنا في أرجاء المطار بواسطة العربات الخاصة من مبنى إلى آخر وكذلك بالمصاعد الكهربائية ، حتى وصلنا الصالة التي تفضي بنا إلى الطائرة التي تقلنا إلى ديترويت ، وبعد ثلاث ساعات من الانتظار في المطار أخذنا واحدة من طائرات شركة أمريكان اير لاينز ، وصلنا ديترويت وانتظارا لموعد اقلاع الطائرة لاحظنا شابين أسمري اللون يمكن معرفة أصلهما اليمني دون عناء ، تقربا منا وسلما علينا وتجاذبنا أطراف الحديث وقصصنا لهما سبب وجودنا في الولايات المتحدة وتعاطفا معنا والتقطا لنا فلما من كاميرة فديو وأخذا عنواني في بغداد ووعدا بإرسال الفلم في أقرب وقت ومرت سنون على ذلك اللقاء ولم نحصل على نسختنا من الفلم ، وعنما حان موعد إقلاع الطائرة الأردنية المتوجهة إلى عمان مباشرة ركبنا وتوكلنا على الله ولم نعرف كم مر من الوقت حيث كان التعب قد أخذ الكثير منا فذهبنا في نوم متقطع واقتربت الطائرة من مطار الملكة علياء وهبطت فيه ، وهناك وجدنا رجلا أردنيا بانتظارنا عرفنا اسمه فيما وهو فاتح ، وأثناء عرض الحقائب المرافقة حاول العاملون في إدارة الكمارك الأردنية في المطار فرض رسوم على بعض ما جلبناه معنا وهو عديم القيمة في واقعه ولكن لا أعرف ماذا دفع بهم إلى هذا الموقف ، ولكن تدخل فاتح وبعد جدل استغرق بعض الوقت تم تسليمنا حقائبنا دون رسوم ، ومن هناك بدأت عملية البحث في مخزن المفقودات عن حقيبة مروان التي تأخرت في المطار ، ولم تطل عملية البحث عنها وتسلمها مروان ومضينا إلى مدينة عمان ، مضت السيارة في طرق العاصة الأردنية وتوقفت عند باب جانبي مركون على شارع ضيق ، نزل فاتح وأشار لنا ... تفضلوا ... أخذتنا الدهشة ! أين سنقيم ؟ باب ضيق يفضي إلى بناية تبدو كبيرة ولكنها بدت لغزا محيرا ، لماذا جاءوا بنا إلى هذه البناية ؟ بقيت الأسئلة معلقة في هواء الظنون على الرغم من محاولتنا استجلاء الموقف وإنزال شكوكنا من سقف الظنون إلى أرض اليقين ، كنا نتطلع إلى بعضنا بحيرة كاملة وقررنا تأجيل طرح الأسئلة لحين توقف مرافقنا عن الحركة ، ومما ضاعف من دهشتنا أن عمال خدمة الفندق الذي جئنا إليه تشي ملابسهم بأنه من الفنادق الراقية ، دلفنا من باب جانبي آخر وإذا بنا بناية فخمة وبخطوات معدودة كنا في صالة فندق ريجنسي ساس ، جلسنا على مقاعد مريحة للغاية انتظارا لإشارة فاتح لنا بالحركة ، جاءنا بادرته بسؤال وبنبرة حادة ... ما سبب هذه الإجراءات اللافتة للنظر والتي دخلنا إلى الفندق مثل المتهمين أو قادة معارضة مطلوبين للقضاء ؟ ببرودة أعصاب أجابني فاتح ... أنا انفذ تعليمات دقيقة للحفاظ عليكم ، سألته للحفاظ علينا ممن ؟ أجاب لا أدري ولكنني أبلغت أن أتخذ خطوات استثنائية لإسكانكم في الفندق وبالطريقة التي نفذتها وعادة أنفذ المهمات المماثلة بهذه الطريقة ، وأنا انفذ التعليمات وعادة لا اكترث لوجهات نظر المشمولين بها ، صالة الفندق تشير إلى أنه من فنادق الخمس نجوم ، حرص فاتح على إبقائنا بعيدين عن موظف الحجز ولكنه كان قد أخذ جوازات سفرنا ، وبعد أقل من ربع ساعة كنا نرتقي بالمصعد الكهربائي إلى غرفنا في الطابق العشر ، كان الحجز على حساب السفارة الأمريكية أيضا ، ربما ظن فاتح هو والعاملون في الفندق بأننا جزء من ماكنة الاحتلال الأمريكي وأن دورنا قد حان للالتحاق بالعملية السياسية التي جاء بها الأمريكيون للعراق بعد الاحتلال ، وربما ظنوا أشياء أخرى ولهذا اتخذوا كل هذه الاحتياطات الأمنية الزائدة عن الحدود وهم لا يعرفون المصيبة التي حلت بنا بسبب الاحتلال ، بعد أن استقر بنا المقام في الغرف الفارهة والأنيقة جدا والتي تقع في الطابق العاشر ، اتفقت مع مأمون ومروان على أن ننزل لتناول طعام العشاء وبعده نمضي في جولة مشي ليلية في مدينة عمان على الرغم من برودة الطقس في العاصمة الأردنية في هذا الوقت من السنة ، كانت عمان في أول ليلها وأهلها يخرجون الآن ليقضوا سهراتهم خارج منازلهم ، هذه هي زيارتي الأولى لعمان بعد الاحتلال وبعد عودتي من أسر العشرين عاما وهي أول زيارة لها من ربع قرن ، هذا إذا وضعت جانبا وصولي إليها قبل حوالي عشرة أيام لأننا وصلنا حينذاك إلى مطار ماركا بعد المغيب وانتقلنا منه إلى فندق الملكة علياء الملاصق لمطار الملكة علياء الدولي ، فلم نر من عمان شيئا ، ولكن هذه الزيارة أتاحت لي مشاهدة سريعة لمدينة تحولت خلال وقت قصير إلى مدينة نظيفة ولها عمرانها الحديث ، لم يطل تجوالنا في شوارع العاصمة الأردنية فقد أخذتنا رعشة برد ثم أننا لم نكن لنا وجهة محددة نذهب إليها ولذا فضلنا العودة إلى الفندق لأخذ قسط من الراحة بعد سفر طويل ما تزال له بقية في الغد على عربة جوية عرجاء اسمها C 130 ، وفي صباح اليوم التالي وأثناء تناول الفطور جاءنا السرجنت واتسون وطلب منا التهيؤ للذهاب إلى مطار ماركا العسكري فالطائرة على وفق التوقيت المحدد لها ستغادر في منتصف النهار ومع ذلك فقد أشار إلى أن الطائرة ليست في مطار العاصة الأردنية وإنما ستأتي من بغداد لتعود بعد توقف قصير في ماركا . كنا قد حزمنا حقائبنا حتى مللنا من فتحها ورزمها بلا توقف وكأننا نعيش في موانئ لا تعرف لنفسها قرارا ، وغادرنا فندق ريجنسي ساس ودلفنا دون قيود إلى قاعة مخصصة للضيوف المهمين في المطار وبدأت رحلة العذاب بانتظار وصول الطائرة العسكرية من بغداد ، وتبين لنا أنها لم تقلع حتى تلك الساعة من مطار بغداد إذن علينا أن نوطن أنفسنا لصبر جديد وانتظار طويل ، لو أن المطار مدني لوجدنا بعض العزاء في التنقل بين أجنحته المختلفة ومراقبة الطائرات الهابطة والمغادرة ، ولكن حتى مطار الملكة علياء الدولي مطار متواضع بالقياس بالمطارات الكبيرة على مستوى المنطقة والعالم ، فكيف الحال مع مطار عسكري تم تخصيصه لخدمة القوات الأمريكية العاملة في العراق ، كان الوقت يمتص من أعصابنا طراوتها ويجففها تماما ، وبعد انتظار زاد على خمس ساعات لاحت طائرة C130 في الأفق البعيد ثم هبطت بعد دورة فوق المطار ودرجت حتى وصلت على مقربة من قاعة الضيوف ، ونزل منها الجنود الأمريكان المتعبين حد الارهاق والناجين من موت أو عوق على الرغم من أن معظمهم يحمل داخل ضلوعه عاهة غير منظورة ستكبر مع الأيام على شكل كوابيس مرعبة وستكلف حكومة بلاده أكثر مما أنفقت على ذوي القتلى من تعويضات ولكنهم مع ذلك سيكونون مثل فئران مختبرات البحوث العلمية . كنا قد سلمنا حقائبنا لسلطة الإشراف على الرحلة لإخضاعها مرة أخرى للتفتيش والتدقيق ، وحينما أزف موعد الرحيل نودي علينا لنخضع لتفتيش دقيق قبل أن نرتقي سلم الطائرة الخلفي ونأخذ مقاعدنا المتقابلة على طول جسم الطائرة ، جلسنا وربطنا أحزمة النجاة ووضعنا قطعا اسفنجية في آذاننا لتحجب ضجيج الطائرة ثم غادرت مطار ماركا في طريقها إلى العراق ، كم كانت مدن العراق جميلة من الجو ليلا ، وكانت بغداد توصف أنها أجمل مدينة من الجو ، كنا حينما ندخل أجواء العراق أيام زمان نعرف أننا دخلنا تلك الأجواء لأن مدنه مضاءة على نحو يميزها عن سواها ، ولكننا اليوم تداخل علينا الظلام الذي له لون واحد من كل الجهات وفي بلدان رسمت حدودها الوهمية اتفاقية سايكس بيكو ، وبدأ الهبوط اللولبي للطائرة إذن نحن فوق مطار بغداد الدولي ، وبعد دوراتها المحسوبة هبطت على المدرج الذي ضاق ذرعا بأنوار جانبيه ، واستدارت يمينا ثم شمالا وبسرعة غير معهودة في مثل هذه الأحوال إذ أن الخشية من قذائف المقاومة كانت تدفع بقائد الطائرة للوصول إلى النقطة المحددة لوقوفها ويذهب إلى مكان آمن بدلا من هذا الهدف الجاذب لعوامل الخطر والقلق والرعب ، وأخيرا توقفت الطائرة وبدأ أفراد الخدمات داخلها بتهيئة مستلزمات فتح الباب الخلفي لها من أجل تسهيل نزول ركابها وكلهم جنود عائدين من أهلهم بعد إجازة قصيرة إلى طاحونة الموت التي تدور في مدن العراق وشوارعها وأرصفتها وحتى الحدائق الوسطية وحقوله وجداوله وأزقته بلا كلل ، ونزلنا منها وتوجهنا إلى قاعة الانتظار في الجزء الذي يتخذه الجيش الأمريكي قاعدة جوية له وبقينا في انتظار وصول الحقائب والتي تأخرت أكثر مما تصورنا ، وحينما تسلمناها طلبنا سيارة توصلنا إلى نقطة السيطرة الخارجية للمطار ، كنا قد اتصلنا بالمنزل كي تأتينا سيارة لأخذنا إليه ، لكن أحدا لم يلتفت إلى طلباتنا المتكررة مرة كانوا يقولون لا تتوفر سيارة ومرة يقولون إن الضابط المخول بخروج السيارة بواجب في هذا الوقت المتأخر غير موجود حاليا وعليكم الانتظار ، عرضوا علينا المبيت في إحدى القاعات ولكننا رفضنا هذا العرض بحزم ، وبعد أكثر من ثلاث ساعات من الانتظار القاتل جاءت السيارة ومعها عدة عربات همر لحمايتها وتوجهنا من فورنا إلى نقطة السيطرة ، بحثنا عن سيارتنا ولكننا لم نجدها حاولت الاتصال بالمنزل ، كان الموبايل قد فقد حرارة الشحن ، انتقلنا إلى طلب جديد من يوصلنا إلى البيت في هذا الليل البهيم والطرق الموحشة والأخطار المحدقة بالسائرين عليها ؟ الأمريكيون لم ينسحبوا ويتركونا عالقين ، عرض أفراد من شرطة النجدة القيام بنقلنا بعد أن عرفوا أننا عراقيون وظنوا أننا من العناصر القريبة من الأمريكان ، ولكن السرجنت الأمريكي قال وبوضوح إنهم أي الأمريكان غير متأكدين أن هؤلاء من جهاز الشرطة وربما يكون هؤلاء من أفراد المقاومة ، قلت لهم أيا كانت صفتهم نحن نقبل أن يقوموا بنقلنا ، بعد جدل طويل استمر حوالي ساعة ونصف اتصل السرجنت بمراجعه وأبلغهم بالموقف ، فأبلغنا بأننا إذا تعهدنا بأننا نوافق على الذهاب مع دورية الشرطة المفترضة فلا مانع لديهم من ذلك ، كانت حساباتي تتركز على أن قضيتنا معروفة من قبل الكثيرين فإذا كان هؤلاء من المقاومة فإننا قادرون على إقناعهم بعد شرح موقفنا لهم وإذا كانوا من الشرطة فلا يضيرنا أننا نذهب مع عراقيين دون خشية على أنفسنا ، حينما ركبنا في سيارات النجدة بدأت الاتصالات بين آمر الدورية والمقر العام ، وأكد على إغلاق أجهزة الاتصالات في السيارات الأخرى وبقيت الاتصالات محصورة بسيارة الآمر فقط وكان كلما وصلنا ساحة أو مفترق طرق يبلغ مراجعه بموقعنا ، تأكدت بأن هذه الدورية تابعة لشرطة النجدة حقا وليست للمقاومة ، وعندما وصلنا البيت بعد منتصف ليلة 11 على 12 / 1 / 2005 كنا قد تقلبنا على نيران القلق بلا انقطاع ، وحمدنا الله على سلامة الوصول . ومضت الأيام تترى ونحن ننتظر بتبليغنا بموعد السفرة الأخيرة التي سنذهب بها إلى الولايات المتحدة لحضور جلسة محاكمة جاك سافيل المتهم الرئيس بالجريمة التي بقينا نتابعها من ما يزيد على عام ، ولكن الصلة انقطعت تماما مع الجانب الأمريكي فلم يكن معتادا من قبلنا أن نتصل بهم وكانوا حينما يحتاجون إلينا فإنهم يتصلون بمروان الذي يتولى ابلاغنا بطلباتهم ، هم الذين أبلغونا خلال وجودنا هناك بالاستعداد بالسفر إلى فورت هود قريبا ، كنا متعودين أن الفاصلة بين جلسة وأخرى تحتاج إلى عدة شهور ، ولهذا لم نستغرب التأخير وإن كنا قد استهجناه كثيرا فنحن نريد انهاء هذا الملف الذي يثير فينا المواجع والآلام كلما تذكرنا وقائعه وتفاصيله المروعة ، وبعد شهرين من عودتنا وفي صباح يوم 17 أذار / ماس 2005 نقلت هيئة الإذاعة البريطانية نقلا عن وكالة رويترز ووكالة اسوشيتيدبريس خبرا عن إصدار محكمة فورت هود العسكرية ( حكما بالحبس 45 يوما على الملازم الأول جاك سافيل ، وجاء في حيثيات القرار أن سافيل كان قد شارك في الاعتداء على ثلاثة مدنيين عراقيين والالقاء بهم في نهر دجلة ، والثالث هو مواطن عراقي تم قتله بأمر من سافيل في شهر كانون الأول / ديسمبر 2003 في مدينة بلد جنوب سامراء ب 45 كيلومترا أي أنه قتل في وقت قريب من جريمته في سامراء ، وذكرت الإذاعة أن سافيل كان قد اتهم في البداية بقتل زيدون مأمون فاضل حسون ، ولكن هذه التهمة إضافة إلى تهم أخرى تتعلق بالتآمر والكذب على المحققين قد ألغيت نتيجة اتفاق مع المحكمة وافق سافيل بموجبه على الشهادة ضد ضابط آخر ، وتقول وكالة اسوشيتيدبريس إن الضابط المذكور قد أمر سافيل وآخرين عراقيين مشتبه بهم في حالة القبض عليهم ، وكانت المحكمة قد برأت ساحة عسكري أمريكي آخر هو العريف تريسي بيركنز في شهر كانون الثاني / يناير الماضي من جريمة قتل زيدون مأمون ولكنها أدانته بتهم أخف هي الاعتداء وعرقلة العدالة ، إذ حكمت عليه بالحبس ستة شهور ) . وفي تفصيلات إضافية قالت وكالة رويترز في تقرير لها من فورت هود ، إن حكما بالسجن قد صدر على الملازم جاك سافيل واستقطاع مبلغ 12 ألف دولار من راتبه لمدة ستة شهور بواقع ألفي دولار شهريا عن دوره في اعتداءات على معتقلين عراقيين ربما تسببت في غرق أحدهم في نهر دجلة . وأقر اللفتانت جاك سافيل بأنه مذنب في الاعتداء على اثنين من العراقيين ( ألقيا بنفسيهما تحت تهديد السلاح في النهر بمدينة سامراء بالعراق في كانون الثاني / يناير 2004 كما أدين في حادث اعتداء آخر وقع في مدينة بلد العراقية في كانون الأول / ديسمبر 2003 ) . وكان سافيل يواجه عقوبة السجن لمدة تصل إلى حوالي عامين لكن قاضي المحكمة العسكرية الكولونيل تيودور ديسكن حكم عليه بالسجن 45 يوما وأمر باستقطاع 2000 دولار شهريا من راتبه لمدة ستة أشهر ، وقال فرانك سبينر للصحفيين إنه كان يفضل عقوبة غير قضائية . وفي بيان مكتوب اعتذر سافيل لضحاياه العراقيين وقال إنه تعلم أن يكون شخصا أفضل . إذن هذه هي عدالة أمريكا مع شعوب العالم ؟ وهل هذه هي قيمة حياة الإنسان إذا لم يكن أمريكيا ؟ لم تكن لدينا أوهام بشأن الفجوة الواسعة والعميقة التي تفصل الشعارات التي ترفعها الإدارة الأمريكية بأعلى درجات الضجيج عبر وسائل الإعلام الواقعة تحت سيطرتها ، ورسائل العلاقات العامة الموجهة للبسطاء والسذج في شتى أرجاء العالم لتعلن بصلف منهجي عن دفاعها المستميت عن حقوق الإنسان وكرامته وحقه في الحياة الحرة الكريمة والتعبير عن آرائه السياسية دون خوف من عواقب ذلك ، وفي حريته السياسية في انتخاب الحكومة المعبرة عن قناعاته عبر صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسطلة ، ، وبين ما تمارسه أجهزتها المختلفة من انتهاكات لكل تلك المبادئ السامية وكذلك التطبيقات اللعينة التي تمارسها الأجهزة الرسمية من قوات مسلحة واستخبارات ومافيات تعمل بأوامر مباشرة من مراكز تنفيذ القرار السياسي ، سواء بالقتل على الشبهة والتعذيب المنهجي الذي يمارس في السجون السرية العائدة لوكالة المخابرات المركزية والمنتشرة حول العالم ولعل ما حصل في غوانتانامو وأبو غريب ما يعد الطافي من كتلة الثلج عن حجم الفظائع الأمريكية التي تأكد أنها تتم بموجب أوامر عليا من الرئيس ونائبه ووزير الدفاع وبقية الشلة الحاكمة ، ولكننا وعلى الرغم من معرفتنا بكل هذه الحقائق أردنا المضي بقضيتنا حتى نهاية الطريق الذي سيؤكد فداحة الكذب الأمريكي . الرئيس الأمريكي يكذب على العالم وعلى الشعب الأمريكي ، سواء فيما يتعلق بمسوغات الحرب على العراق ،أو بشأن ما جرى من انتهاكات منهجية في سجن أبو غريب وسجن غوانتانامو ، ولكن أحدا لم يحاسب الرئيس على كذبه وموقفه الذي أساء فيه لسمعة أمريكا ولهيبتها في العالم وأفقدها المصداقية أمام شعبها وشعوب العالم أجمع ، وعجز القضاء في أكبر ديمقراطية في العالم عن جر الرئيس إلى ساحته بسبب ما تركه من عار على بلاده وجعل من الفرد الأمريكي كائنا مكروها ومنبوذا في كل مكان حل فيه ، وكذلك عجزت السلطة التشريعية في الولايات المتحدة عن لجم نوازع الشر وروح الانتقام من داخل المكتب البيضاوي أو من دوائر الخارجية الأمريكية ودوائر وكالة المخابرات المركزية صاحبة أكثر السجلات قتامة في العلاقات الأمريكية مع الدول الأخرى ابتداء من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وانتهاء بالحليف التقليدي الراسخ لأمريكا في العالم أي أوربا والتي وصفها دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي وأحد أسوأ صقور اليمين المسيحي الجديد ومهندس العدوان على أفغانستان والعراق ، ولكن حصون هؤلاء بقيت عصية على الاختراق من قبل من كان يريد إرسال رسالة تطمين للرأي العام العالمي بأن الولايات المتحدة ما تزال تضم داخل حدودها أصواتا حرة . ووزراء الرئيس يكذبون على الرأي العام وفي الصحافة بناء على توجيهات عليا ، والقادة العسكريون الكبار يكذبون وهم في موقع المسؤولية ولو أنهم صدقوا فيما كانوا يقولون ربما سيكسبون أنفسهم على أقل تقدير ولكنهم لم يفعلوا وفضلوا أن يكونوا جنودا للشيطان بدلا من مدافعين عن مبادئ حقوق الإنسان والحرية والعدالة التي تزعم بلادهم أنها جندتهم من أجلها ، فإذا كان كل هؤلاء يكذبون فلماذا لا يكذب الآخرون فالدستور الأمريكي استند على هذه المبادئ الخاوية ، والقوانين الأمريكية ولدت من رحم أكذوبة كبرى اسمها أمريكا . لم يكن مفاجئا لنا أن تعقد المحكمة العسكرية في فورت هود صفقة لئيمة كي يتراجع الملازم الأول جاك سافيل عن شهادة سابقة تستر فيها على آمر سابق كان قد ارتكب جرائم حرب في العراق ذهب ضحيتها مئات وربما آلاف العراقيين المدنيين ، وربما سيصحو ضمير ذلك القائد أيضا وسيعقد صفقة مع المحكمة مقابل الشهادة تحت القسم ويدين فيها قائدا ميدانيا آخر كي تخفف عنه العقوبة إذا أقر بذنبه ، وبذلك يبقى العراقيون ضحايا موت ضمائر القادة الأمريكيين حينما يعملون في جبهات الموت في العراق فيسقط منهم الآلاف ، ثم تضيع حقوقهم حينما تعود الحياة للحظات مسمومة داخل أمريكا ، وتخفف عقوباتهم لأنهم تعاونوا مع المحكمة ، وكأن على العراقيين أن يدفعوا ثمنين الأول لوحشية الجندي الأمريكي في ساحة الحرب كي يغطي على جبنه ومرة أخرى عندما يساق إلى ساحة القضاء فيحكم عليه بأحكام مثيرة للسخرية والضحك ، فهل علينا نحن أن نواجه بصدمة الحكم الذي صدر على ترسي بيركنز لأنه تعاون مع المحكمة واعترف بدور جاك سافيل ، ونصدم مرة أخرى عندما ظننا أن الحكم إذن استقر فوق كتف سافيل وإذا يعترف على قائده الميداني فيخفف عنه الحكم ، على هذه الصورة المأساوية ، فما هي علاقتنا نحن بكل هذه الفصول الزائدة في مسرحية القتل الأمريكي المبتكر وبدم بارد ؟ بكل تأكيد هذه قصة العدالة الأمريكية من يوم فرض الحصار الاقتصادي على العراق مرورا بخطوط الحظر الجوي واحتلال عام 2003 وما رافقها من جرائم حرب ضد الإنسانية ولإبادة الجنس البشري ، ولكن أمريكا التي تتحكم بمفاتيح الأمم المتحدة سياسيا ومكانيا ، تستطيع حماية نفسها من المساءلة الدولية حتى تخرج القوة القادرة على إعادة التوازن في مجال العلاقات الدولية على أسس جديدة وعادلة . وثيقة طلب الاستئناف الذي قدمناه للقاضي بعد صدور الحكم بسم الله الرحمن الرحيم السيد قاضي محكمة الاستئناف العسكرية في فورت هو\د تحية العدالة والحق أصدرت المحكمة العسكرية في فورت هود قرارا بإدانة الرقيب ترسي بيركنز والحكم عليه بالحبس ستة شهور بسبب عرقلته للعدالة وبرأته من تهمة القتل واستنادا إلى ذلك أتقدم بطلب الاستئناف هذا من خلال الطعن بالقرار المذكور من حيث الشكل والمضمون استنادا إلى الحقائق التالية : 1 إن عدم استدعاء الشهود من أفراد قوات الحرس الوطني العراقية للإدلاء بشهاداتهم أمام المحكمة قد ترك مساحة من الغموض وغياب المعلومات وقد سبق لهؤلاء أن أدلوا بشهاداتهم أمام اللجنة التحقيقية C . I .D في مقر القوات الأمريكية في منطقة السايلو في سامراء . 2 – إن عدم إحضار المتهمين بالواقعة وعددهم خمسة في جلسات المحكمة قد أخل بسير المرافعات وقد سبق لموكلي الشاهد مروان عبد الحكيم فاضل حسون أن أدلى بشهادته أمام اللجنة التحقيقية C I D في كل مراحل التحقيق السابقة بخصوص الحادث ولهذا أرى أن مقتضيات العدالة توجب إحضار المتهمين جميعا في جلسات المحكمة . 3 – إن ادعاء الشهود والذين أدلوا بشهاداتهم أمام المحكمة ، بأن الشابين قطعا النهر سباحة أمر يقتضي التحقيق فهذه الشهادة تؤكد وجود الشهود في مكان الحادث وفي وقت وقوعه مع المتهم مما يستدعي التساؤل المشروع عن أسباب ذلك ، فضلا عن أن مضمون الشهادة تدحضه الوقائع على الأرض ، إذ لا يوجد نهر مفتوح هناك ليسبح به أحد ، هناك بحيرة مقدم السد من الشمال ، وأسفله إلى الجنوب مسلكان للماء أحدهما هو نهر دجلة والثاني مجرى مائي يذهب إلى منخفض الثرثار ويتفرع عنه مجرى آخر يسمى قناة الكتم ويندفع الماء بقوة كبيرة قادرة على توليد الطاقة الكهربائية وفي القناة التي يجري تصريف البوابة التي ألقي فيها كل من زيدون مأمون فاضل حسون ومروان عبد الحكيم فاضل حسون كان تصريف الماء بقوة 100 متر مكعب في الثانية وكانت كل بوابة مفتوحة بمقدار 85 سنتمتر وأرفق طيا نسخة من تقرير مهندس الري لسد سامراء . 4 – إن إلقاء الشابين في هذه البوابة يوفر ركن القصد الجنائي للقتل فمن النادر أن يفلت أحد من الموت في حالة كهذه إلا إذا تيسرت له ظروف مساعدة اضافية كما حصل لمروان . 5 - إن الادعاء بأن الجثة التي ظهرت في شريط الفديو المقدم للجنة التحقيق من قبلنا لم تظهر عليها تأثيرات البقاء في الماء لمدة ثلاثة عشر يوما ، رأي مخالف لعلم الفسلجة إذ أن انخفاض درجات الحرارة في العراق عموما وفي سامراء خصوصا ، في شهر كانون الثاني / يناير وقت وقوع الحادث وبرودة الماء يوفر مناخا مناسبا من الناحيتين العملية والعلمية لمحافظة الجثة على سلامتها لفترة أكثر من هذه المدة . 6 – إن الرعب الذي مر به مروان عبد الحكيم فاضل حسون أثناء اقتياده من قبل القوات الأمريكية وأثناء الليل وداخل عربة مدرعة يجعل من العسير بل من المستحيل عليه أن يحتفظ بكامل الصورة في ذهنه للجنود الذين اقتادوه هو وابن عمه فضلا عن أن المتهم الذي أحضر في جلسة المحكمة قد ظهر بعد عام كامل من الحادث وهو بملابس غير ملابس ساحة الحرب مما يترك تغييرات تلبس الأمر على الإنسان في الظروف الاعتيادية للاستدلال فكيف إذا كان الأمر في مثل الظروف التي مر بها الشاهد ، وهذا ما جعل من مهمة تعرفه على المتهم شبه مستحيلة . 7 – لقد أبدينا استعدادنا الكامل لفتح القبر وإجراء التشريح على الجثة لمعرفة الأسباب الحقيقية للوفاة ، وحين طلبت منا اللجنة التحقيقية إقرارا من رجل دين معتمد ، جئنا بموافقة من السيد الشيخ حاتم أحمد عباس إمام وخطيب الجامع الكبير في سامراء ، وقد سلمنا ذلك الإقرار للجنة التحقيقية في حينه ، وانتظرنا اتخاذ الاجراء اللازم إلا أن الأمر لم يتم لحد الأن ولم نعرف السبب وراء ذلك ، علما بأن السرجنت سينترون كانت قد أعربت عن مخاوف من الذهاب إلى المقبرة التي دفن فيها الضحية خشية وجود كمين يستهدف القوات الأمريكية في حال قيامها بفتح القبر . 8 – إن الحكم الذي أصدرته المحكمة العسكرية في فورت هود بحق الرقيب ترسي بيركنز ومن خلال حيثياته يعد مساسا بمشاعر موكلي مأمون فاضل حسون والد الضحية والذي فقد ابنه في حادث واضح لا لبس فيه ولا غموض . 9 – إن إعادة الأمل لكل مظلوم من خلال تطبيق العدالة وإحقاق الحق وهذا يستوجب إعادة النظر بحكم المحكمة العسكرية المذكورة ورده ، كما أن الاجراءات الشكلية للمحكمة توجب حضوري كمحام عن والد الضحية وكذلك عن الشاهد مروان عبد الحكيم فاضل حسون في كل جلسات المحكمة . لذلك أتقدم بطلبي هذا لاستئناف الحكم المذكور ورده ، ولكم شكري وتقديري . المحامي نزار فاضل حسون السامرائي 9 / 1 / 2005 وثيقة إقرار من السيد الشيخ الدكتور حاتم أحمد عباس أما وخطيب الجامع الكبير في سامراء ورئيس لجنة التوعية الدينية في محافظة صلاح الدين الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . وبعد : فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وكرمه وفضله على كثير من خلقه ، وأنه بنيان الله في الأرض به تعمر الحياة ، ولا يحق لأحد أن يهدم هذا البنيان ويأخذ بهذه الحياة إلى موطن الخراب أو الدمار ، وجعل حرمته مصونة في حياته وبعد مماته ، وحرم الاعتداء عليه وعدّ ذلك انتهاكا وتجاوزا على حياته وقدسيته بعد مماته ، فلا يجب لأحد أن يعتدي عليه بشيء من إحراقه أو كسر عظمه أو أن يطأ قبره برجله فيدوسه أو يجلس عليه ، كما أنه لا يجوز شرعا أن ينبش قبره وتخرج جثته إلا إذا دعت هناك ضرورة لحفر قبره وإخراج جثته . وسؤال السيد مأمون فاضل حسون حول موضوع فتح قبر ولده ( زيدون ) من أجل التحقيق المتوقفة على فتح القبر وإخراج الجثة لمعرفة حال الجناية التي أصيب بها وأدت إلى وفاته لإزالة الغموض الذي يعتريها ولا يعرف ذلك إلا بفتح القبر فأقول وبالله التوفيق : يجوز شرعا فتح القبر ما دامت هناك ضرورة ملحة لذلك ، وهذه ضرورة ، لأنها تترتب عليها حقوق لمعرفة حال الجناية تتبين من خلال فتح القبر ، علما بأن هذا لا يعد انتهاكا لحرمة المجني عليه وقد أصبح هذا من باب ( الضرورات التي تبيح المحظورات ) والتي أقرتها الشريعة وبنت عليها كثيرا من الأحكام ، فلا بأس في ذلك والله تعالى أعظم وأعز وأكرم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . الدكتور حاتم أحمد عباس السامرائي رئيس لجنة التوعية الدينية في محافظة صلاح الدين امام وخطيب جامع سامراء الكبير وثيقة دائرة مهندس الري لسد الثرثار بسم الله الرحمن الرحيم وزارة الموارد المائية المديرية العامة للسدود والخزانات إدارة مشروع سدة الثرثار العدد / 6 / 2 / 1 / 26 التاريخ 17 / 1 / 2004 م / البحث عن جثة بتاريخ 3 و 4 و 5 / 1 / 2004 تم غلق ناظم القناة الإروائية للبحث عن جثة الغريق زيدون مأمون فاضل ولفترات غير مستمرة حيث كان تصريف القناة 100 م / ثا وبفتحة بوابات 85 سم وكان مستوى المياه بعمق 5 متر كما تم غلق القناة الإروائية بتاريخ 15 / 1 / 2004 ولمدة ست ساعات وتم العثور على الجثة . مع التقدير ر . مهندسين كريم حسن حمادي مدير المشروع رسالة جوابية للناشطة الأمريكية السيدة سيندي شيهان السيدة الفاضلة سيندي شيهان مع عميق تقديري يسرني أن أحييك بحرارة ويسعدني كثيرا أن أتحدث إلى سيدة عاشت فاجعة فقدان ولدها في الحرب الأمريكية العدوانية على العراق ولم يؤد ذلك إلى أن تحمل حقدا على أبناء بلدنا كما يخطط صقور الإدارة الأمريكية لتصدير نتائج عدوانهم على الشعب الذي يقاوم من أجل حريته ، بل فكرت بالحدث من زاوية أخرى وبطريقة سليمة تماما عندما ألقت بالمسؤولية على قادة بلدها لأنهم كانوا سببا في سفك دماء الملايين من أبناء شعبنا ، لمجرد إرضاء جشع كارتلات النفط التي تقايض النفط بالدم. ويسعدني كثيرا أن أشد على يديك بحرارة للجهود النبيلة التي تبذلينها من أجل وضع حد للقتل وإحلال السلام والمحبة ، وكم كان يسعدني لو أنني أسهمت مع تلك الأصوات المحبة للحرية التي خرجت في بلادكم وهي تنادي بالانسحاب الأجنبي من العراق ، وحينذاك سوف تتاح لكم الفرصة أكثر من الوقت الحاضر لكي تعرفوا أن أبناء شعبنا يضمرون للشعب الأمريكي التقدير والاحترام بسبب الاضافات المبدعة التي قدمها علماء أمريكيون إلى مسيرة التطور التكنولوجي التي قطعتها الإنسانية . فنحن في الوقت الذي نقاتل جنود الاحتلال بمن فيهم جنود بلادك فإننا لا نضمر لهم كأفراد كراهية أو عداوة ، بل نسعى لتحرير بلدنا ونوجه رسالة إلى زعماء الولايات المتحدة بأننا شعب نحب الحرية والسيادة ولدينا الاستعداد للتضحية في سبيلها بكل غال ونفيس ، كما أحب الشعب الأمريكي حريته وقاتل من أجلها وقدم في ذلك تضحيات جسيمة حتى حصل على استقلاله ، ولم يمنعه ذلك بعد استقلاله من إقامة أوثق العلاقات مع البلد الذي كان يحتله ، نحن نتطلع إلى ذلك اليوم الذي نصبح أصدقاء على أساس الاحترام والتكافؤ مستندين إلى مبادئ الحرية والعدل والسلام . . . ويسرني سيدتي الفاضلة أن أنقل لك الرسالة التالية من زوجة أخي السيدة وداد أم زيدون مأمون فاضل السامرائي والذي ذهب ضحية الاحتلال الذي قامت به قوات بلادك لبلدنا ، وكم هي فرصة ذات مغزى أن تلتقي سيدتان فقدتا ولديهما في ساحة واحدة ونتيجة لظرفين مختلفين اختلافا جوهريا ، تقبلي خالص تقديري . نزار السامرائي نص رسالة أم زيدون للسيدة شيهان عزيزتي السيدة شيهان مع امتناني لمتابعتك للفاجعة التي حلت بي وبأسرة زيدون ، فإنني في واقع الحال اتفهم مشاعر الأم حين تفقد وليدها ، وأتحسس مشاعرك أثناء اللحظة الحزينة التي وصلك فيها بلاغ النعي الذي أرسلته لك قيادة القوات الأمريكية والذي أعلمك فيه برحيل ابنك ، وأنا إذ أشاطرك الحزن أشعر بأسى لأن الشباب من أبناء بلدك يساقون إلى مصائر مجهولة تلبية لنزعات شريرة لمصانع السلاح وبيوت المال والاحتكارات النفطية ، وأن الكثير منهم يرحل قبل أوانه دون أن يتمتع بحقه بالحياة التي ضمنتها له الشرائع السماوية والقوانين الأرضية ، ولكن نزعة الشر التي سيطرت على من بيده قرار الحرب ساقت ولدك وعشرات الآلاف غيره ليشاركوا في عدوان دمر بلدنا وأزال كل الاضافات التي قدمها شعبنا لعشرات السنين فكان أن ذهب ولدي ضحية لاحتلال الجيش الأمريكي لبلدنا ، ومضى ولدك في الحرب أيضا ولكن بكيفية مختلفة تماما لينعم تجار الحروب ، فلم نعد ننعم بوجود أولادنا بيننا ولم يكن بوسعنا أن نسأل لماذا تأخروا في العودة إلى المنزل . وأنا واثقة أن ولدك لو كان بيده الخيار لفضل عدم حمل السلاح ضد بلدنا بل ربما كان سيأتي حاملا معه مجموعة من قصص الأطفال أو لعبهم أو لربما كان سيحمل معه صندوقا مليئا بالأدوية لأطفال العراق الذين قضى الحصار الاقتصادي الظالم الذي فرضته بلادك على بلادنا على مئات الآلاف منهم ثم جاءت طائرات سلاح الجو الأمريكي وقوات المارينز لتجهز على آخرين مثلهم ، إننا يا رفيقتي في مسيرة الألم يمكن أن نعمل معا وكل من موقعه ودوره من أجل وضع حد لسفك الدماء وإشاعة أجواء المحبة بدلا من لغة الحرب ، وقد لا أكون مخطئة حينما أقول إن السيد جورج بوش الذي كان قد تهرب من الخدمة العسكرية أثناء الحرب الفيتنامية قرر خوض الحرب بأبناء الآخرين ولا يقد معنى أن يذهب الأبناء إلى ساحات القتال وانفعالات أهلهم ، بوش لم يعرف أهوال الحروب ومآسيها وأنه لو كان له ولد لوجد له طريقة لكي يخلصه من ويلات الحرب كما فعل أبوه معه ، إنه يا سيدتي يقاتل بأبناء الآباء والأمهات ولا يمكن أن يتصور مشاعر أب أو أم لحظة معرفتهما بسقوط ولدهما في المعركة خاصة إذا كان هو وحيدهما في طاحونة الموت في العراق ، ولهذا فأناشده من خلالك هذه المرة أن يكف عن ترويع أطفال العراق وعن ترويع الأمهات والآباء ، ونحن شعب لم نركب البحر أو نغادر بلدنا لشن العدوان على أحد ، ولك يكن لنا أي صلة بدوامة العنف والإرهاب التي تعصف بالعالم اليوم فهي ردات فعل لسياسات الولايات المتحدة التي تريد قهر إرادة شعوب الأرض ، إننا نؤمن بما أمرنا الله به في القرآن الكريم حين أكد بأن من قتل نفسا دون مبرر فكأنما قتل الناس جميعا ، لهذا فإننا نعمل على هدي هذا المعنى العظيم الذي حرم الاستهانة بحياة الإنسان ، كما أننا نؤمن بوحدة مصادر الهداية النازلة من السماء ، ولهذا فإنني حينما أقرأ قول السيد يسوع المسيح عليه السلام ( المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة ) فإنني أشعر أن هذا الدرس العظيم لم يجد طريقه إلى التطبيق أبدا بسبب نزعات الشر التي حملها الطغاة عبر التاريخ ، فالسيد جورج بوش أراد تسخير كل الانجازات التي حققها الشعب الأمريكي للبشرية في مجالات العلوم والتكنولوجيا إلى عوامل شر وسوء ، وبذلك فقد تحولت الأرض إلى ساحة حرب وصراع دموي ، وهكذا افتقد الناس المسرة وعاشوا حزنا وبؤسا وقلقا . إننا يا سيدتي نستطيع أن نعمل معا من أجل السلام ووقف سفك الدماء وأن نعطي للأمهات بارقة أمل بفرحة جديدة لسبب بسيط وهو أننا عرفنا معنى الحزن الحقيقي حينما فقدنا ولدينا ، إذ لا يعرف الفرح بمداه الواسع من لم يذرف دمعة حزن حقيقية أو لا يعايش الحزن عن قرب بقلب مكلوم ، وكم سأكون سعيدة إذا ما وضعت الحرب في بلادي أوزارها كي نحتفل في مدينتنا التي شهدت ولادة ابني البكر زيدون والذي ظننت أنه سيبكيني يوم موتي ولكنني للأسف الشديد بكيته قبل أن تثمر شجرته وقبل أن يكمل مشروع زواجه الذي بدأ به قبل حوالي شهر من رحيله ، يسعدني أن أنقل لك تحيات زوجي وأفراد الأسرة . ختاما أرجو قبول صادق عزائي لك ولكل أم فقدت ولدها رغما عنه وعنها ، وإلى اللقاء على طريق المحبة والسلام . وداد أم زيدون سامراء وكانت السيدة سيندي شيهان قد بعثت لنا برسالة مواساة وتعهد بالعمل معا ضد الحرب والتحرك داخل بلادها الغرض . تعليقات الزوار
أضف تعليقك
عدد القراء : 516
|